سحائب المغفرة في شهر شعبان

عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إِنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ ثَلَاثَةً أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمُوا فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَنْ يَكْفِينِيهِمْ ؟ ” قَالَ طَلْحَةُ : أَنَا . فَكَانُوا عِنْدَهُ ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا ، فَخَرَجَ فِيهِ أَحَدُهُمْ ، فَاسْتُشْهِدَ ، ثُمَّ بَعَثَ بَعْثًا فَخَرَجَ فِيهِ الْآخَرُ ، فَاسْتُشْهِدَ ، ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَلَى فِرَاشِهِ ، قَالَ : قَالَ طَلْحَةُ : فَرَأَيْتُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ فِي الْجَنَّةِ ، وَرَأَيْتُ الْمَيِّتَ عَلَى فِرَاشِهِ أَمَامَهُمْ وَالَّذِي اسْتُشْهِدَ آخِرًا يَلِيهِ ، وَأَوَّلَهُمْ يَلِيهِ ، فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  ذَلِكَ ، فَقَالَ : ” وَمَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ ؟ ! لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ ; لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ ) (قال أحمد شاكرفي مسند أحمد “إسناده صحيح”(2/367)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة(654)، وحسنه أيضاً في تخريج مشكاة المصابيح( 5223).

إن من أعظم نعم الله تعالى على العباد أن يمدّ الله قي عمر أحدهم وكل يوم يبقى  في هذه الدنيا هو غنيمة له ليتزود منه لأخرته، ويحرث فيه ما استطاع ويبذر فيه من الأعمال ما يرفع درجته ومكانته عند الله , فالدنيا دار عمل ولا حساب والآخرة دار حساب ولا عمل  قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) {الفرقان:62}

وطول العمر في الإسلام مع حسن العمل فيه خيرية الدنيا والآخرة عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “ألا أنبئكم بخيركم؟” قالوا: نعم، يا رسول الله قال: خياركم أطولكم أعماراً، وأحسنكم أعمالاً) (1298 /3 سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني /صحيح الترغيب/ 3361 )

وإن من أعظم الغفلة أن يعلم الإنسان أنه يسير في هذه الحياة إلى أجله، ينقص عمره، وتدنو نهايته، وهو مع ذلك لا يحتسب ليوم الحساب، ولا يتجهز ليوم المعاد، بأعمال صالحة تبلغه رضوان الله وجنته فتجده مفرط في العبادات والطاعات فإذا ما جاءت مواسم العبادات والمنح الربانية التي بها تفغر الذنوب والزلات وجدته مقصراً ومضيع لأيامه وسنواته فأين العمل الصالح؟ وأين بركة العمر؟ وأين اغتنام فرصة العمر والصحة والشباب والغنى والقدرة والقوة … عن بن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه : ” اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناءك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك ” (صححه الألباني في صحيح الجامع / 1077 ).

ها هي أعمارنا وآجالنا تطوى يوماً بعد يوم وها هو شهر شعبان يحل ضيفاً علينا وهو شهر غفل الناس عن فضائله ومنحه وجوائزه الربانية فقد شرع فيه جميع أعمال البر من الصدقة وقراءة القرآن والذكر والصيام و قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم أكثر أيامه وعندما سئل عن ذلك أخبر عليه الصلاة والسلام أنه شهر ترفع فيع الأعمال عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” شعبان بين رجب وشهر رمضان، تغفل الناس عنه، تُرْفع فيه أعمال العباد، فأحب  أن لا يرفع عملي إلا وأنا صائم” (صحيح الجامع:3711) .. فأعمال العباد ترفع كل يوم وترفع يوم الأثنين والخميس وترفع أعمال السنة جميعها في شهر شعبان  … وهو شهر يستعد فيه العباد لاستقبال شهر رمضان بتهيئة النفوس بالطاعات والعبادات .. قال سلمة بن كهيل: كان يقال شهر شعبان شهر القراء.  وقال أبو بكر البلخي: شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع، وقال أيضا: مثل شهر رجب كالريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل المطر، ومن لم يزرع ويغرس في رجب، ولم يسق في شعبان فكيف يريد أن يحصد في رمضان؟

في هذا الشهر ليلة عظيمة ينظر الحق سبحانه وتعالى إلى عباده فيمُنَّ عليهم بالغفران وتتنزل عليهم الرحمات  روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه  عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال : ( إن الله ليطّلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن ) (رواه ابن ماجة وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة 1144)  فالمغفرة والرحمة في هذه الليلة لجميع عباد الله المؤمنين الموحدين إلا لمن يحمل صفتين الأولى خطرها عظيم على التوحيد والعقيدة وهي الشرك وما أكثر الشرك في حياة المسلمين اليوم طواف حول القبور وزيارة السحرة والمشعوذين ولبس الطلاسم والحرزيات والإعتقاد أن فلان من الناس يضر أو ينفع بقدرته وهنالك من يدعو الأولياء ويطلب منهم قضى الحوائج  وهناك  الشرك الخفي  وهو الرياء في الأعمال والأقوال …  فمن كان فيه خصلة من الشرك فليتب إلى الله حتى ينال المغفرة والرحمة في هذه الليلة المباركة .. وأما الصفة الثانية التي يحرم صاحبها من عفو الله ومغفرته في هذه الليلة فهي المشاحنة والمخاصمة والعداوة بين المسلمين ..بين الآباء والأبناء وبين الجيران والإخوان وبين الأصحاب والأصدقاء وبين القبائل والأحزاب والجماعات ..  فلماذا لا يعفو بعضنا عن بعض ويسامح بعضنا بعضا ويتنازل بعضنا لبعض  و لنحذر من فساد ذات البين عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة و الصيام و الصدقة ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة . لا أقول : إنها تحلق الشعر و لكن تحلق الدين ) (صحيح الألباني / غاية المرام / 414) ولنكن ممن قال الله فيهم (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ   ) (الحشر/10) بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم …  قلت قولي هَذا، وأستغفر الله  لي ولكم فاستغفروه.

فلنحافظ على العبادات ولنتزود من مواسم الطاعات فرب معصية أورثت ذلا ورب طاعة بنت عزاً ورفعت قدرا ولنحذر من مبطلات الأعمال ذلك أنه ما من عمل صالح إلا ويجب أن يتوفر فيه شرطان أساسيان الأول أن يكون العمل خالصا لوجه الله والثاني أن يكون العمل موافقا لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى [فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110) ]. {الكهف} .. ولنحذر من البدع التي ترتكب في ليلة النصف من شهر شعبان مثل تخصيص ليلها بالقيام ونهارها بالصيام فلا يجوز ذلك إلا لمن كان متعوداً على القيام باقي الأيام أو كان محافظ على صيام ثلاثة أيام من كل شهر وهي أيام البيض .. وليس هناك صلوات أو ركعات في هذه الليلة بنية دفع البلاء أو جلب الأرزاق أو غير ذلك وكل هذه الأعمال من البدع ويكفي في هذه الليلة وقبلها أن تأتي بما أفترض الله عليك من الطاعات والعبادات وأن تبتعد عن الشرك بكل صوره وأن لا تحمل في قلبك لإخوانك المسلمين حقداً أو غشاً أو غلاً أو حسداً ومن أخطأت في حقه فلتعتذر له ومن أخطأ في حقك فلتسامحه  اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم  ..  وقد أمركم ربكم فقال قولاً كريماً:  إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً  [الأحزاب:56].

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الراشدين: أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أرحم الراحمين .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هكذا نحب رسول الله

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه يليق بجلاله وعظمته، اللهم لك الحمد أنت أحق ...