دعاء المضطر !

عن أبى بكرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فى دعاء المضطر:” اللهم رحمتك أرجو ، فلا تكلنى إلى نفسى طرفة عين ، و أصلح لى شأنى كله ، لا إله إلا أنت” أخرجه البيهقى فى كتابه : الدعوات الكبير 1/123(حديث163).
هذا حديث جليل من أحاديث كثيرة استقل بها التصنيف قديما فى كتب جامعة عرفت باسم كتب الدعاء أو الدعوات ، وهى بما جمعته توشك أن تعلن عن جنس أدبى فريد لم ينل حقه من الفحص و الدراسة بعد ، وهو فن المناجاة و الابتهال إلى الله تعالى.
و المناجاة فن قديم جدا، ربما يعود عمره إلى اللحظة التى شعر فيها آدم عليه السلام ببدء محنته على الأرض بعدما عوقب و أهبط من الجنة ، ومن يومها والإنسان طامح إلى ما يعينه على مواجهة محن الحياة و مصاعبها.
و الحديث يتفتح بابا لإدراك أن الله سبحانه والإيمان به هو صمام أمان للإنسانية ، بما يحوزه سبحانه من رحمة سابغة.
ومن هنا فالحديث يعلمنا أن اللجوء إلى جنابه تعالى هو السبيل الأعلى للقضاء على أحزان البشرية ، ومضائقها ، وكروبها ، ومنغصاتها.
و الحديث يتأسس من مجموعة من الجمل الإنسانية ، موزعة على النداء والأمر و النهى، و فيه تقديم و تأخير ، وهى جميعا سبل فى يد البلاغة العربية لتحقيق الانكسار بين يدى الله تعالى ، وهو واحد من آداب الدعاء ، يقاس به صدق الداعى.
يفتتح الحديث بنداء محذوف الأداة ، ليقرر أمرين هما : بيان حال الداعى المكروب المتعجل ، و بيان قرب المدعو سبحانه ، و فيه تقديم للمفعول به ( رحمتك) على الفعل ( أرجو) وهو أمر منطقى إذ يتقدم فى الكلام ما يشغل الإنسان ، و يأزمه ، فتقدم المطلوب على آلة الطلب.
و الحديث بما يظهر من لغته يطلب جوامع الخير ، و يطلب نفى جوامع الشر ، فيدعو وهو الغرض من النهى فى (لا تكلنى) و الاستغراق ظاهر من تعيين الزمن القليل المستفاد من ( طرفة عين) وهى أقل مدة زمنية متصورة لدى العربى ، وهو ما يعنى أن النبى صلى الله عليه و سلم يعلمنا أن ندعو الله سبحانه ألا يتركنا أو يوكل أمرنا إلى غيره أقصر مدة زمنية فضلا عما فوقها.
ثم يأتى الأمر فى ( أصلح لى شأنى كله) ليحقق به الدعاء و الابتهال ، و الفعل بمعناه إعلان بأن حال الإنسان فى اضطراب و خلل ، إن لم تتعهده رحمة الله تعالى بالإصلاح.
و الحديث يظهر ضعف الداعى ، و حاجته و كربه واضطراره، فيصمم لغته بما يعكس هذه الحال، وهو ما يفسره شيوع ضمير المتكلم المفرد فى (أرجو (أنا))و (ياء المتكلم) فى ( تكلنى) و ( نفسى) و (لى) و( شأنى) ، وهذه الكثافة العالية لاستعمال ضمير المتكلم هنا يعكس دوران المكروب المضطر حول ذاته ، و انشغاله بها، وإرادته النجاة ، و التخفيف عن النفس فى مواجهة مضائق الحياة ، ومصاعبها.
و الحديث يختتم بجملة خبرية ، هى ( لاإله إلا أنت) ، و هذه الجملة الخبرية يهدف الحديث من خلال اختتامه بها إلى مجموعة من المعانى المهمة للغاية هى:
1-إظهار صدق الداعى فى دعوته اللجوء إلى من يفك كربه، وهو الله تعالى .
2-إظهار العلم بأن الله تعالى هو وحده القادر على إذهاب الغم و الأحزان و الكروب.
3-إظهار الإقرار بأن الاطمئنان إلى وحدانية الله تعالى، و الدينونة بها هى الطريق الواضحة للتخلص من أحزان الحياة ، ومصاعبها.
ومن هنا فإن التوحيد ، و تقدير أهمية اللجوء إلى الله تعالى ، و التماس رحمته فى العمل بالشريعة ، و فى إظهار الضعف و الانكسار بين يديه هى سبل فى طريق القضاء على ضيق الحياة ، و مصاعبها .
و الحديث فيما يظهر فيه من كثرة الأصوات الطويلة ، سواء كانت صوامت مشددة ، أو كانت حركات طويلة تحقق نوعا من الهدوء الناتج من بطء الإيقاع وهو بعض ما يحققه أدب المناجاة ، من الإخبات ، وهو ما نراه فى الميم المشددة فى (اللهم) و اللام المشدد ةفى (كله)، وهو ما نراه كذلك فى أصوات المد فى (أرجو) و (لا) و ( تكلنى) و (إلى)و (نفسى) و (لى) و (شأنى) و (لا )و (إله) و ( إلا) وهو ما يعين على تحقيق نوع من خفوت هو بعض الأدب اللازم للدعاء و الداعين والأمة اليوم فى أمس الحاجة لإتقان فن الإقبال على الله تعالى.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هكذا نحب رسول الله

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه يليق بجلاله وعظمته، اللهم لك الحمد أنت أحق ...