الرسول والقرآن

الحمد لله الرحيم الرحمن, علم القرآن, خلق الإنسان علمه البيان,
وصلي الله وسلم وبارك على سيد الثقلين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
ونسأل الله العليّ العظيم أن يرزقنا علماً نافعاً, وعملاً صالحاً متقبلاً, وألا يجعل للشيطان في عمانا حظاً ولا نصيبا,وأن يوفقنا على ما يحبه ويرضاه, إنه على كل شئ قدير.
أما بعد أيها الأخوة المسلمون الموحدون. فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته
أولا : القرآن يطبع قلب النبى صلى الله عليه وسلم ونفسه بطابعه :
أنزل الله تبارك وتعالى القرآن على قلب محمد  نوراً وشفاءً لما في ا لصدور وهداً ورحمة للمؤمنين وكان أول وأعظم من أدرك قيمة هذا النور وعظمة هذا الوحي الرباني, كان أول من أدرك ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستضاءت به حياته الشريفة صلوات الله وسلامه عليه, وانطبعة به نفسه الكريمة, وكانت أيامه وساعاته وحركاته وسكناته صلوات الله وسلامه عليه, تفسيراً عملياً لهذا النور الهادي
يروى الإمام مسلم عن سعد بن هشام أنه دخل مع حكيم بن حزام على أم المؤمنين عائشة  وقال أنبئني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ألست تقرأ القرآن قال بلي قالت “فإن خلق نبي الله  كان القرآن ” وفي رواية قالت “كان خلقه القرآن” أما تقرأ  وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم:4). وهذا السؤال نفسه سأله إياها الإمام الحسن البصر رحمه الله وإمام التابعين مسروق بن الأشجع الهمباني فأجابة بنفس الإجابة وسألها أحد التابعين وهو يزيد بن باباينوس عن خلق رسول الله  فقالت “كان خلقه القرآن” تقرءون سورة المؤمنين, قالت اقرأ قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ  فقال يزيد فقرأت قد أفلح المؤمنون إلى قوله لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ فقالت  “كان خلق رسول الله ” أي كان ما ورد في هذه الآيات الكريمة من توجيهات ربانية هو الخلق الذي عاش عليه النبي  بل إن سيدن أبا الدراداء  سأل عائشة أيضاً هذا السؤال الكريم فأجابة عائشة  أبا الدارداء فقالت “كان خلقه القرآن يغضب لغضه ويرضي لرضاه” أو هو كما قالت  .
على أن هذه الإجابة لم تكن إجابة عائشة  وحدها, بل كانت إجابة سائر أمهات المؤمنين, اللواتي رأينا رسول الله  في مختلف ساعات يومه, وفي مختلف حالاته النفسية والمزاجية, ورأينا كيف كان القرآن الكريم خلقه في كل الأحوال, والموجه لسلوكه في كل الساعات, روى الحسن  أن رهطا من أصحاب النبي  اجتمعوا, فقالوا لو أرسلنا إلى أمهات المؤمنين فسألناهن عما نحلوا عليه النبي  لعلنا أن نقتدي به, فأرسلوا إلى هذه ثم إلى هذه المرأة من أمهات المسلمين فكان جواب الجميع بأمر واحد جاء الرسول بأمر واحد أنكم تسألون عن خلق نبيكم  وخلقه نبيكم القرآن, ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت يصلى وينام ويصوم ويفطر ويأتي أهله, وتقصد أمهات المؤمنين, أن النبي  كان يمارس ما يمارس سائر الناس إلا أنه كان في كل ذلك متقيد بالقرآن الكريم, ما معني هذا الكلام؟ معني كان خلقه القرآن, معناه كما قالت عائشة  أنه كان يجعل أخلاقه على مراد الله تبارك وتعالى في القرآن, يغضب لغضبه, ويرضي لرضاه, ما هو من أسباب رضي الله كان النبي صلى الله عليه وسلم يرضي به, كما ما هو من أسباب غضب الله كان النبي  يغضب له.
ثانيا : ما معن أنه  كان خلقه القرآن ؟ :
وكون خلقه القرآن معناه : انه كان متمسكاً بآدابه, وأوامره ونواهيه, ومحاسنه ويوضح ذلك أن جميع ما قص الله تبارك وتعالى في كتابه من مكارم الأخلاق, من قصة أو نبيٍ أو وليّ أو ما حث عليه الحق تبارك وتعالى, أو ما ندب إليه كل ذلك كان النبي  متخلقاً به, وكذلك كل ما نهي الله تبارك وتعالى عنه, أو ذمه في سيرة عدو من أعدائه, فإنه  كان أبعد الناس عنه, ولا يحوم حوله.
ومعني يتأدب بآدابه ويتخلق بأخلاقه؟ أنه كان ينظر فيما مدحه القرآن فيفعله, وفيما ذمه القرآن أو كان فيه سخط الله  فيجتنبه ويذب,وكان  مع القرآن, وقافاً عند حدوده, متأدب بآدابه, عاملاً بأخلاقه, معتبراً بأمثاله وقصصه, متدبر لآياته, كثير التلاوة للقرآن الكريم, تري من خلال هذا الكلام الذي سقته إليك, ليها الأخ الكريم كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم صورةً عمليةً واضحةً لما جاء في القرآن الكريم, من مبادئ وأخلاق, وكيف كان أفضل نماذج البشر قاطبةً, مجالسة للقرآن الكريم, وأصلحها جميعاً لتلقي هذا القرآن وتمثيله والتجاوب معه, أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ(الأنعام 124).
ثالثا : حال النبى مع القرآن
فهو كما قال بعض العلماء كان قرآناً يمشي بين الناس, إذا كان هذا حال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القرآن عموماً, فما ظنك بحاله مع القرآن في رمضان, الشهر الذي كان ينزل فيه جبريل عليه السلام فيعارضه  بالقرآن فيتلقى النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل ويقرأ عليه ويسمع منه, كان حال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من حاله صلوات الله وسلامه عليه في غير رمضان, مع كونه  في كل الأوقات والأحوال, أكمل حال وأعظم حالاً, وأعظم خلقاً, روى البخاري وغيره عن عبد الله بن عباس  قال ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن, فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة, لا حظ هذه العبارة الأخيرة كان بعد لقاء جبريل له أجود بالخير من الريح المرسلة, وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في كل رمضان, وكان ينزل جبريل كل رمضان فيعارضه القرآن, ويقرأ عليه القرآن, ويقرأ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن حتى إذا كان العام الذي توفي فيه النبي صلى الله عليه وسلم عرض النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل القرآن عرضتين وكان ذلك إيذاناً بقرب أجله , كما جاء في الحد عن فاطمة  “قالت أسر إلىّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة, وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي, وعلى هذه العرضة الأخيرة, وصل إلينا القرآن الكريم, محفوظاً بحفظ الله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:9).
رابعا : واجبنا تجاه القرآن الكريم:
أقول أيها الأحبة إذا كان هذا هو حال النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم مع القرآن, وهو الذي يتلقى من الوحي مباشرةً, فكيف يكون حالنا نحن مع هذا الكتاب الكريم, وبخاصة هذا الشهر الطيب المبارك الذي أنزل الله فيه القرآن شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ(البقرة: 185). نزل في خير ليلةٍ لقول الله  إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ(القدر: 1). بل إن هذا الشهر هو الشهر الذي نزلت فيه معظم كتب الله  على الأنبياء, في هذا الشهر الكريم نزل جبريل بالقرآن إلى سماء الدنيا جملةً, ثم نزل به شيئاً بعد شئ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفرقاً كما في قول الله  وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً(الإسراء:106).
أقول : كيف يجب أن يكون حالنا مع القرآن ؟
إذا كنا نري رسول الله  يفعل هذا مع كتاب الله , إن سلفنا الصالح وهم قدوتنا وأسوتنا, كان لهم في هذا الشهر مع القرآن حالٌ, يختلف عن حالهم مع القرآن في سائر العام, مع كونهم لم يكونوا يتركون القرآن في يوم من الأيام, لا في هذا الشهر ولا في غيره, , كانت تجعلهم يهتمون بقراءتهم وتلاوته وتدبره, والعمل به بصفة خاصة في هذا الشهر الكريم.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هكذا نحب رسول الله

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه يليق بجلاله وعظمته، اللهم لك الحمد أنت أحق ...