إعلام المخابرات.. سيطرة وفضائح لتمرير مسرحية 2018 وما بعدها

في معركة الوعي التي تستهدف الحكومات إدارتها لتثبيت وجودها وسيطرتها على الشعب القابع تحت استبدادها، تلجأ حكومات القمع غالبا لغرس قبضتها الأمنية في كافة تفاصيل الحياة، بتدخل خشن وليس الاكتفاء بالمراقبة من بعيد، وإعطاء جرعات حلول أو تقويم الخطأ بتعزيز الرشادة السياسية والإعلامية نحو القيام بالمسئوليات والرسائل الحافظة لترابط واستقرار المجتمعات، حتى وصل الأمر في مصر، التي يسيطر عليها العسكر، إلى أن يتحول الإعلام إلى وسيلة لتغييب الوعي وتزييف المعارف بالأكاذيب والمثبطات التي تستهدف امتصاص الغضب الشعبي.

فمنذ انقلاب يوليو 1952، تحول الإعلام في نظر العساكر من وسيلة توعية وتثقيف إلى وسيلة للسيطرة على الشعب المصري، وتوجيه رأيه لصالح النظام الحاكم فقط، وليس لصالح الدولة أو الأمة المصرية. ومن ثم توالت حوادث وفضائح الفنانين والإعلاميين، التي تديرها أجهزة المخابرات والجهات الأمنية.

ومؤخرا تابع المصريون فضائح المخابرات والأجهزة الأمنية التي كشفت عنها تسريبات “نيورك تايمز”، والتي بثتها قناة مكملين، حول سيطرة المخابرات الحربية على عدد من القنوات الفضائية؛ لتوجيه الشعب المصري نحو اتجاهات إعلامية، تبعدهم عن واقعهم المعاش، بجانب توجيه رسائل للعالم الخارجي، سواء بالنكاية في دولة قطر، أو توجيه المصريين نحو القبول بيهودية القدس، وضمان عدم وجود الإخوان أو التيار الإسلامي في أحداث المنطقة العربية ككل.

وشهد عام 2017 أكبر عملية تغيير للمنظومة الإعلامية في مصر، لجهة بسط هيمنة أجهزة المخابرات على العديد من المنابر الإعلامية الأكثر تأثيراً، ما يمكن وصفه بعملية “تأميم ناعم” بخلاف القنوات التي تم تأسيسها.

وقد جرت عمليات استحواذ واسعة لصالح المخابرات وجهات مدنية، تمثلت في شركات وصناديق استثمار، تمكنت من شراء العديد من القنوات والصحف والمواقع من ملاكها الأصليين، مستخدمةً أساليب الترغيب والترهيب، كما حدث مع رجلي الأعمال نجيب ساويرس والسيد البدوي، وعبر مناقلات لأسهم شركات كانت تملكها تلك الجهات، وإن وضعت على واجهتها بعض رجال الأعمال، مثل محمد الأمين وأحمد أبو هشيمة، وكان الهدف من شراء تلك القنوات تحقيق رؤية النظام الحالي، بحسب تقرير المرصد العربي لحرية الإعلام، الصادر مؤخرا.

وبحسب مراقبين، اعتمد العسكر على مسارين في السيطرة الإعلامية، هما: إنشاء وسائل إعلامية تابعة للجيش والمخابرات مباشرة، وشراء كيانات إعلامية عبر جهات عسكرية أيضا مثل “تواصل” التابعة لشركة “فالكون” العسكرية.

هذا التوجه تمثل في تدشين مجموعة قنوات المخابرات “DMC”، وإنشاء شركة “تواصل” التابعة لشركة “فالكون” العسكرية لشراء صحف وفضائيات وفتح قنوات راديو FM، وآخر صفقاتها كان شراء قنوات الحياة، وشراء شركة “شيري ميديا” لقنوات العاصمة، وتعيين المتحدث العسكري السابق رئيسا لمجلس إدارتها بشكل علني مباشر. ثم جاء ذلك “صفقة إعلام المصريين” وشراء زوجة طارق عامر، محافظ البنك المركزي، (داليا خورشيد وزيرة الاستثمار السابقة) عبر شركة مجهولة باسم “إيجل كابيتال”، لحصة “إعلام المصريين” التي كان يديرها رجل الأعمال “أحمد أبو هشيمة”. ما يعتبر تدشينا لسياسة الاستحواذ على الإعلام، مع طرح واجهات غير عسكرية لإدارته.

الصفقة الأخيرة تمت من خلالها السيطرة على 17 صحيفة وفضائية وشركة إنتاج، أبرزها قنوات “ON”، وصحيفة “اليوم السابع” و”صوت الأمة” و”دوت مصر”، و”بريزنتيشن”.

مهزلة 2018

وبحسب مراقبين، فإن السيطرة الخشنة على الإعلام من قبل جهاز المخابرات الحربية، بقف وراءه اقتراب مسرحية انتخابات السيسي في 2018، وسط تراجع كبير بشعبيته، فوفق استطلاع مركز “بصيرة” شبه الحكومي، تراجعت شعبية «السيسي» من 54% عام 2014، إلى 32% في عام 2015، وهبطت لـ 27% في 2016، فيما تتزايد التراجعات الشعبية في 2017 بسبب تجذر الأزمة الاقتصادية الناجمة عن سياسات السيسي.

“التنظيمات الإعلامية”

كما أشار التقرير إلى أنه من المحطات المهمة في 2017، تشكيل الهيئات الإعلامية الثلاث المشرفة على المنظومة الإعلامية في مصر، وهي “المجلس الأعلى للإعلام” و”الهيئة الوطنية للصحافة” و”الهيئة الوطنية للإعلام”، وتأسيس “نقابة الإعلاميين”.

وقد أصبحت هذه الهيئات الثلاث أذرع السلطة التنفيذية في قمع حرية الإعلام، بدلا من الدفاع عنه، بحسب ما تم رصده خلال هذا العام، وقد انضمت إليها “نقابة الصحفيين”، عقب انتخابات مارس الماضي التي أتت بنقيبٍ وغالبيةٍ لأعضاء مجلس النقابة من المرتبطين بالسلطة، ووقفوا موقفا سلبيا تجاه العديد من الانتهاكات التي تعرض لها الصحافيون وحرية الصحافة، رغم وجود حراك محاصر لقلة ناشطة من أعضاء في المجلس، وأحدثها القبض على بعض الصحفيين (مثل أحمد عبد العزيز وحسام السويفي) من فوق سُلم النقابة، عقب فعالية تمت بتنظيم من أعضاء في مجلس نقابتها، وكذا نقابة الإعلاميين (الوليدة) التي لا تزال تعمل تحت إدارة اللجنة المؤقتة، وبذلك حرم الإعلام المصري من مظلات الحماية التي وفرها له الدستور ممثلة في المجالس الثلاثة والنقابتين.

الصوت الواحد

وكما بدا في تسريب الأذرع الإعلامية الـخير، كيف أن المخابرات الحربية لا تريد أن يظهر أي صوت، حتى ولو كان من داخل منظومتها الأمنية في الإعلام، لتمرير الحدث المسرحي لولاية السيسي الثانية الباطلة أصلا، ومن ثم يتصاعد قمع كل الأصوات والمنصات الإعلامية بشكل نهائي، فمن مصادرة أعداد الصحف الانقلابية كالبوابة، إلى منع نشر مقالات، إلى حجب مواقع وصل لأكثر من 600 موقع، إلى وقف صفحات سوشيال ميديا وصفحات شخصية تجاوزت عشرات الآلاف.

حيث تعاظم القمع الأمني للإعلام والصحفيين، مستخدمين القتل والحبس والاعتقال وجميع الوسائل، حتى وصل الأمر إلى “قوائم الإرهاب”، التي برزت ضمن الانتهاكات الجديدة التي شهدها العام 2017، حيث جرى ضم العديد من الصحفيين لقوائم الكيانات الإرهابية، إذ ضمت إحدى القوائم 28 صحفيا وإعلاميا، وصدور قرار من محكمة الجنايات بالتحفظ على أموالهم، ومنعهم من السفر، وسحب جوازات سفرهم، وكل ذلك من دون محاكمة ومن دون السماح لهم بالدفاع عن أنفسهم.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خيانة القسم.. العسكر يبيعون الأرض ويقومون بوظيفة المحتل

التفريط في الأرض المصرية بدأ مع انقلاب الفاشي جمال عبد الناصر، عندما اتفق مع المحتل ...