هل يتصالح الإخوان مع العسكر؟!

أُشيع مؤخرًا أن العسكر اتصلوا بقادة الإخوان لأجل الصلح وإنهاء الصراع القائم بين الطرفين.. وهذا فى اعتقادى لم ولن يكون؛ وإن هى إلا شائعات من (جهاتهم السيادية) قبيل ما يعرف بمهزلة (الانتخابات الرئاسية)؛ إما بغرض الإلهاء، وربما -ظنًا منهم- لتحييد فئة من الشعب قررت عدم التفاعل مع تلك الانتخابات إلا بمثل هذه الانفراجات التى تشعرها بقرب الاستقرار وتلاشى الخلافات السياسية..

وهناك عشرات الأسباب التى تجعل الصلح مستحيلا، وأن ما قيل على لسان بعض القيادات لا يعدو إلا أن يكون كذبًا وتزويرًا عليهم..

– فأولا؛ الإخوان ليسوا قيادة فقط تقرر ما تشاء وقتما تشاء، بل هم مجتمع ممتد عريض، لا تجد فيهم واحدًا إلا ويتحلى بصفات القيادة، ومقومات الزعامة، وجلهم أصحاب رأى وأهل فكر قد علموا جرائم العسكر وذاقوا مرارتها، وما من عضو فى الجماعة إلا وناله حظ من القتل أو المصادرة، أو المطاردة، أو التعذيب.. إلخ؛ من ثم لن يرضى رجل منهم بهذا الصلح المذل قبل أن يكون هنالك قصاص، وقبل أن تكافأ تلك الدماء بمثلها، وتلك الأعراض بحقها..

– كما أن جنايات العسكر لا ينفع فيها التصالح، إلا أن يحيوا ما أزهقوه من أرواح، وما نهبوه من أموال، وما هتكوه من أعراض، وما باعوه من أرض… إلخ، وهى -كما ترى- جنايات لا تسقط أيضًا بالتقادم.

– والخلاف بين الإخوان والعسكر ليس خلافًا سياسيًا كما يظن البعض، بل هو صراع وجود، وكل الشواهد ووقائع التاريخ تؤكد أن البقاء للإخوان، وأن العسكر زائلون؛ لتهافتهم وجاهليتهم وعدم إنسانيتهم، ولو كان خلافًا سياسيًا لوجد له ألف مخرج، لكنه خلاف قد مسّ -كما بدا للجميع- العقيدة، والوطن، والانتماء.. ويعلم الإخوان أن الأيام كفيلة بإزالة هؤلاء من طريق الحكم، وقد تشابه (السيناريو المصرى) مع (سيناريوهات دول أخرى) سلكت مؤخرًا مسلك الديمقراطية الرشيد بعد عقود بائسة من حكم العسكر..

– والأهم؛ أن الأزمة مع العسكر لا تخص الإخوان وحدهم، وإن كان للإخوان النصيب الأكبر من الدماء والانتهاكات وسائر التضحيات، إنما هى أزمة مع شعب بأكمله أصابه البلاء والوباء والفقر والمسكنة، وبيعت أرضه ومياهه ومقدراته؛ لذا لا يحق للإخوان الحديث باسم الشعب، ولو بادر الإخوان -لا قدر الله- بالصلح مع العسكر لكان من حق الغالبية الغالبة لهذا الشعب الثورة عليهم ومحاكمتهم بتهمة خيانة الوطن..

– ويعلم الإخوان أن من يصالح العسكر الآن فهو شريك لهم فى التبعية والعمالة والمذلة، وتسميم الشعب وإفقاره، والتفريط فى ثوابته وأصوله، ولا يقبل وطنى شريف يعرف ألف باء الانتماء أن يشارك هؤلاء فى حكمهم؛ فيكون -من ثم- مجرمًا مفرطًا فى بلده كما فعلوا ويفعلون..

– والتصالح لمن لديه قدر ضئيل من العلم بالسياسة هو بمثابة (قبلة الحياة) لهؤلاء القتلة بائعى الأرض، وطوق نجاة لهم، وبعث الروح فى نظامهم الميت وإن كان يبدو حيًا قابعًا على ظهر دبابة، وما يجرى من جانب هذا النظام ببث مثل تلك الشائعة يسمونه (تسولًا سياسيًا)، أو (ترقيعًا سياسيًا)، والإخوان ليسوا مطية وطيئة كما يظن العسكر يقطعون عليها شوطًا من أشواطهم القذرة ثم يطلقونها ترعى كما يفعلون مع سائر القوى (المدنية) المنبطحة.

– وما نعلمه عن الإخوان أن الغاية عندهم لا تبرر الوسيلة، ولو فعلوا مثلما يفعل باقى السياسيين لزالت دعوتهم منذ زمن، أما سر بقائها ونمائها فهو هذه القاعدة؛ فلا يمكن أن يساوم الإخوان على الدماء، ولن يبيعوا دينهم بدنيا غيرهم، ولن يصمتوا عن أمر يرونه حقًا، وهم -وتاريخهم وواقعهم شاهدان عليهم- لا يعملون لأنفسهم، بل يضحون لرفعة دينهم وأوطانهم.

– ولو أراد الإخوان الصلح لقبلوه منذ زمن، ولوفروا على أنفسهم عناء المحنة العظيمة الممتدة، وقد سمعنا عن مبادرات سابقة من جانب العسكر وحلفائهم من الأفراد والجماعات والدول، وقد رفضها الإخوان.. فهل ملّ الإخوان وزهقوا واستسلموا؟!

– الشواهد تؤكد أن الإخوان لم يملوا ولم يزهقوا ولم يستسلموا -بفضل الله-؛ فهناك ستون ألفًا فى السجون، فلم نسمع أن أحدهم -ومنهم القادة- ترك الجماعة، أو استثقل المحنة، أو استجاب لضغوط العسكر وأذرعهم العديدة، بل الجميع صامدون، ثابتون، مرابطون، وقد احتسبوا الأذى الواقع عليهم عند من لا تضيع عنده الحقوق.

– ويؤمن الإخوان المسلمون أن النصر صبر ساعة، وأن الانقلاب فى طريقه إلى زوال، وأن الباطل زاهق، وأن العسكر لن يحكموا أكثر مما حكموا؛ وأن ثباتهم وصمودهم ورجولتهم سوف يعجل بهذا الزوال.

– ويؤمنون بأنه لن يقع عليهم أكثر مما وقع؛ فلم الصلح وأمامهم فرصة إنقاذ بلد بحجم مصر من عصابة صارت تبيعه بالتجزئة لعدوه الدينى والتاريخى؟!

x

‎قد يُعجبك أيضاً

يوم النكبة ومسيرات العودة!!

عندما أعلن ترامب في 6 ديسمبر 2017، نقل سفارة أمريكا إلى القدس الشريف، صمت حكام ...