حسن البنا .. داعية منذ الصغر

جمعية الأخلاق الأدبية
” الدعوة إلي الله في حقيقتها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وتعاون علي أداء هذا الواجب ، وكان حسن البنا منذ صغره داعيًا إلي الله آمراً بالمعروف وناهيا عن المنكر ، يتعاون علي فعل الخيرات مع أقرانه وإخوانه ، فعندما دخل المدرسة الإعدادية شارك في جمعية الأخلاق الأدبية وبرز فيها ، وأصبح رئيسا لمجلس إدارة هذه الجمعية التي كانت لائحتها تدعو إلي مكارم الأخلاق وتغرم من يخطئ في حق إخوانه مبلغا من المال ينفق في أوجه الخير ، ويذكر البنا ذكرياته مع هذه الجمعية فيقول في كتاب مذكرات الدعوة والداعية :

” وكانت لائحتها الداخلية تتلخص في أن من شتم أخاه غرم مليما واحدا ، ومن شتم الوالد غرم مليمين ، ومن شتم الأم غرم قرشا ، ومن سب الدين غرم قرشين ومن تشاجر مع آخر غرم مثل ذلك ، وتضاعف هذه العقوبة لأعضاء مجلس الإدارة ورئيسه ، ومن توقف عن التنفيذ قاطعه زملاءه حتى ينفذ ، وما يتجمع من هذه الغرامات ينفق في وجوه من البر والخير ، وعلي هؤلاء الأعضاء جميعًا أن يتواصوا فيما بينهم بالتمسك بالدين وأداء الصلاة في أوقاتها ، والحرص علي طاعة الله والوالدين ومن هم أكبر سنا أو مقاما .

وكانت ثورة مدرسة الرشاد الدينية سببا في أن يتقدم هذا الناشئ إخوانه .

وأن تتجه إليه أنظارهم حتى إذا أريد اختيار مجلس إدارة جمعية الأخلاق الأدبية وقع اختيارهم عليه رئيسا لهذا المجلس ، وزاولت الجمعية عملها وحاكمت الكثيرين علي مخالفات وقعت منهم ، وجمع من هذه الغرامات مبلغ من المال لا بأس به أنفق بعضه في تكريم الزميل الطالب لبيب اسكندر شقيق طبيب الصحة الذي نقل إلي بلد آخر فنقل أخوة معه وأنفق البعض الآخر في تجهيز ميت غريب غريق ألقي به النيل إلي جوار سور المدرسة فقامت الجمعية بتجهيزه من هذه الأموال .

ولم يكن نطاق دعوة البنا الأمر بالمعروف ونهيه عن المنكر لتحده جدران المدرسة الإعدادية ، يأمر الكبير والصغير ولا يخشي في الله لومة لائم ، فعندما مر علي شاطئ النيل ولاحظ أن أحد أصحاب السفن المنشأة قد علق علي ساريتها تمثالا خشبيا عاريا علي صورة تتنافي مع الآداب ، وبخاصة أن هذا الجزء من الشاطئ يتردد عليه السيدات والفتيات يستقين منه الماء ، فماذا يفعل ؟

يقول الإمام الشهيد:

” فهالني ما رأيت وذهبت فورا إلي ضابط النقطة – ولم تكن المحمودية قد صارت مركزا إداريا – وقصصت عليه القصص مستنكرا هذا المنظر ، وقد أكبر الرجل هذه الغيرة وقام معي من فوره حيث هدد صاحب السفينة وأمره أن ينزل هذا التمثال في الحال وقد كان ” .
وقد دافع عن حقه وحق زملائه في الصلاة بالمسجد المجاور للمدرسة حتى كان له ما أراد وذلك أن إمام المسجد خشي من الإسراف في الماء والبلي علي الحصر ، فانتظر التلاميذ حتى انتهوا من صلاتهم ثم فرقهم بالقوة وتوعدهم وأنذرهم من تكرار الصلاة في المسجد ، فماذا يفعل هذا الصبي الصغير حال هذا الموقف ؟

يقول الإمام:

” كتبت إليه خطابا ، بعثت به إليه في البريد مغرما واعتبرت أن غرامة قرش صاغ كافية هذا القصاص ، وقد عرف رحمه الله ممن جاءته الضربة ، وقابل الوالد شاكيا معاتبا ، فأوصاه بالتلاميذ خيرا وكانت له معنا بعد ذلك مواقف طيبة عاملنا فيه معاملة حسنة ، واشترط علينا أن نملأ صهريج المسجد بالماء قبل انصرافنا ، وأن نعاونه في جمع التبرعات للحصر إذا ما أدركها البلل وقد أعطيناه ما شرط ” .
جمعية منع المحرمات
ولم يكتف البنا وأقرانه بالنشاط داخل المدرسة ، وإنما امتد نشاطه وأقرانه إلي خارج نطاق المدرسة ، فأنشأ وأصحابه جمعية منع المحرمات وكانت جمعية تأمر بالمعروف وتنهي الناس عن المنكر عن طريق إرسال خطابات إلي كل من يعرف عنه أنه ارتكب منكرا ، ويقول عنها الإمام البنا في مذكرات الدعوة والداعية :

” وقرروا تأليف جمعية إسلامية باسم ” جمعية منع المحرمات ” وكان اشتراك العضو فيها يتراوح بين خمسة مليمات وعشر أسبوعيا ، وكانت أعمالها موزعة علي أعضائها ، فمنهم من كانت مهنته تحضير النصوص وصيغ الخطابات ، وآخر مهنته كتابة هذه الخطابات بالحبر ” الزفر ” وثالث مهنته طبعها ، والباقون توزيعها علي أصحابها ، وأصحابها هم الذين تصل إلي الجمعية أخبارهم بأنهم يرتكبون بعض الآثام أو لا يحسنون أداء العبادات علي وجهها خصوصا الصلاة.

فمن أفطر في رمضان ورآه أحد الأعضاء بلغ عنه فوصله خطاب فيه النهي الشديد عن هذا المنكر ، ومن قصر في صلاته ولم يخشع فيها ولم يطمئن وصله خطاب كذلك ، ومن تحلي بالذهب وصله خطاب فيه حرمة التحلي بالذهب شرعا ، وأيما امرأة شاهدها أحد الأعضاء تلطم وجهها في مأتم أو تدعو بدعوي الجاهلية وصل زوجها أو وليها خطاب.

وهكذا ما كان أحد من الناس صغيرا أو كبيرا يعرف عنه شيء من المآثم إلا وصله خطاب من الجمعية ينهاه أشد النهي عما يفعل ، وكان من اليسير علي الأعضاء لصغر سنهم وعدم اتجاه الأنظار إليهم أو وقوع الشبهة عليهم أن يعرفوا كل شيء ولا يتحرز الناس منهم ، وكان الناس يظنون أن هذا من عمل أستاذنا الشيخ زهران رحمه الله ويقابلونه ويلومونه لوما شديدا ويطلبون إليه أن يتحدث إليهم فيما يريد بدلا من هذه الكتابة.

والرجل يتنصل من ذلك ويدفع عن نفسه ، وهم لا يكادون يصدقون حتى وصله ذات يوم خطاب من الجمعية يلفت نظره إلي أنه صلي فريضة الظهر بين السواري وذلك مكروه وهو عالم البلد ، فيجب عليه أن يبتعد عن المكروهات ليبتعد غيره من العوام عن المحرمات ، وأذكر أن الشيخ رحمه الله أنه دعاني حينذاك – وقد كانت صلتي مستمرة به في الدروس العامة وإن كنت قد تركت مدرسته أو مكتبته – لنراجع معا هذا الحكم في كتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري ، ولا زالت أذكر الموضع كأنه اليوم وكنت أقرأ له وأنا ابتسم وهو يتساءل عن هؤلاء الذين كتبوا له ووجد أن الحق معهم وأنهيت ذلك إلي أعضاء الجمعية فكان سرورهم عظيما .

واستمرت الجمعية تؤدي عملها أكثر من ستة أشهر وهي مثار عجب الناس ودهشتهم ، حتى اكتشف أمرهم علي يد صاحب قهوة استدعي راقصة فوصله خطاب من الجمعية وكانت الخطابات لا ترسل بالبريد اقتصادا في النفقات ، وإنما يحملها أحد الأعضاء ويضعها في مكان يلفت نظر صاحبها إليه فيستلمها ولا يري من جاء بها ، ولكن المعلم كان يقظان فشعر بحركة حامل الخطاب فقبض عليه بخطابه وعاتبه عتابا شديدا أمام من في القهوة ، وعرفت الجمعية عن هذا الجمعية عن هذا الطريق فرأي أعضاؤها أن يخففوا من نشاطهم ويعملوا بأسلوب آخر لمنع المحرمات .

جمعية الحصافية الخيرية
كان ذلك إبان المرحلة الإعدادية ، ولكن بعد أن انتقل إلي مدرسة المعلمين بدمنهور تطورت معارفه وتطورت معها أهدافه في الدعوة إلي الله ، وبمشاركة زميله أحمد أفندي السكري أسسا ” جمعية الحصافية الخيرية ” وكان أحمد السكري رئيسا لها بحكم السن والعمل وحسن البنا سكرتيرا لها . وكانت أهداف هذه الجمعية ومجال عملها في ميادين أوسع وأشمل من الجمعيات الأولي فيقول الإمام الشهيد عن هذه الجمعية :

” وزاولت الجمعية عملها في ميدانين مهمين :

الميدان الأول : نشر الدعوة إلي الأخلاق الفاضلة ، ومقاومة الإرسالية الإنجيلية التبشيرية التي هبطت إلي البلد واستقرت فيها ، وكان قوامها ثلاث فتيات رأسهن مسز (وايت) ، وأخذت تبشر بالمسيحية في ظل التطبيب وتعليم التطريز وإيواء الصبية من بنين وبنات ، وقد كافحت الجمعية في سبيل رسالتها مكافحة مشكورة وخلفتها في هذا الكفاح جمعية ” الإخوان المسلمين ” بعد ذلك.

محاربة الفساد في القاهرة
ولما انتقل البنا إلي القاهرة عند دخوله دار العلوم وشاهد فيها مظاهر التحلل والفساد ، مما لا عهد له به في حياة الريف ، وقرأ في الصحف كثيرا مما ينافي تعاليم الإسلام ورأي جهل العامة بأحكام الدين ، ففكر في تكوين دعاة إسلاميين من زملائه في الأزهر ودار العلوم للدعوة إلي الله في المساجد والمقاهي والمجتمعات العامة ، وانطلق يدعو في المقاهي ليكون قدوة عملية لزملائه ويحكي البنا في مذكرات الدعوة والداعية كيف حاول محاربة المفاسد في المجتمع عن طريق تكوين دعاة إسلاميين فيقول :

ففكرت في أن أدعو إلي تكوين فئة من الطلاب الأزهريين وطلاب دار العلوم للتدريب علي الوعظ والإرشاد في المساجد ثم في المقاهي والمجتمعات العامة ، ثم تكون منهم بعد ذلك جماعة تنتشر في القرى والريف والمدن الهامة لنشر الدعوة الإسلامية.

وقرنت القول بالعمل فدعوت لفيفا من الأصدقاء للمشاركة في هذا المشروع الجليل كان منهم الأخ الأستاذ محمد مدكور خريج الأزهر وكان لازال مجاورا حينذاك ، والأخ الأستاذ حامد عسكرية رحمه الله ، والأخ الأستاذ أحمد عبد الحميد عضو الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين الآن وغيرهم ، كنا نجتمع في مساكن الطلاب في مسجد شيخون بالصليبة ، ونتذاكر جلال هذه المهمة وما تستلزمه من استعداد علمي وعملي ، وخصصت جزء من كتبي كالإحياء للغزالي والأنوار المحمدية للنبهاني وتنوير القلوب في معاملة علام الغيوب للشيخ الكردي ، وبعض كتب المناقب والسير ، لتكون مكتبة دورية خاصة بهؤلاء الإخوان يستعيرون أجزاءها ، ويحضرون موضوع الخطب والمحاضرات منها:

الدعوة علي المقاهي
وجاء الدور العملي بعد هذا الاستعداد العلمي فعرضت عليهم أن نخرج للوعظ في المقاهي ، فاستغربوا ذلك وعجبوا منه وقالوا:

إن أصحاب المقاهي لا يسمحون بذلك ويعارضون فيه لأنه يعطل أشغالهم ، وإن جمهور الجالسين علي هذه المقاهي هم قوم منصرفون إلي ما هم فيه وليس أثقل عليهم من الوعظ ، فكيف نتحدث في الدين والأخلاق لقوم لا يفكرون إلا في هذا اللهو الذي انصرفوا إليه ؟ وكنت أخالفهم في هذه النظرة وأعتقد أن الجمهور أكثر استعدادا لسماع العظات من أي جمهور آخر حتى جمهور المسجد نفسه ، لأن هذا شيء طريف وجديد عليه والعبرة بحسن اختيار الموضوع ، فلا نتعرض لما يجرح شعورهم ، وبطريقة العرض فتعرض بأسلوب شائق جذاب وبالوقت فلا نطيل عليهم القول .

ولما طال بنا الجدل حول هذا الموضوع قلت لهم:

ولم لا تكون التجربة هي الحد الفاصل في الأمر ؟ فقبلوا ذلك وخرجنا فبدأنا بالمقاهي الواقعة بميدان صلاح الدين وأول السيدة عائشة ومنها إلي المقاهي المنتشرة في أحياء طولون إلي أن وصلنا من طريق الجبل إلي شارع سلامة ، والسيدة زينب ، وأظنني ألقيت في هذه الليلة أكثر من عشرين خطبة تستغرق الواحدة منها بين خمس دقائق إلي عشر

ولقد كان شعور السامعين عجيبا ، وكانوا ينصتون في إصغاء ويستمعون في شوق ، وكان أصحاب المقاهي ينظرون بغرابة أول القول ثم يطلبون المزيد منه بعد ذلك ، وكان بعض هؤلاء يقسم بعد الخطبة أننا لابد أن نشرب شيئا أو نطلب طلبات ، فكنا نعتذر لهم بضيق الوقت ، وبأننا نذرنا هذا الوقت لله فلا نريد أن نضيعه في شيء ، وكان هذا المعني يؤثر في أنفسهم كثيرا.

لقد نجحت التجربة مائة في المائة ، وعدنا إلي مقرنا في شيخون ونحن سعداء بهذا النجاح ، وعزمنا علي استمرار الكفاح في هذه الناحية .

دعوة العلماء لمهاجمة الفساد في المجتمع
وبعد الحرب العالمية الأولي وإلغاء الخلافة الإسلامية في تركيا انتشر تيار الإباحية والإلحاد حتى أصبح هو التيار السائد والمهيمن علي الجامعة وعلي الحياة الأدبية والاجتماعية ، لا سيما في الطبقات الراقية . وكان لهذه الموجة رد فعل قوى في الأزهر والأوساط المعنية بالشئون الإسلامية ولكن رد هذا الفعل لم يزود عن الكتابة في بعض الصحف والمجلات واللقاءات التي لم تشف غليلا ولم ترد كيدا .

وفكر الإمام الشهيد – وهو لا يزال طالبا في دار العلوم في عمل إيجابي يرد به الكيد ، فقام بزيارة الشيخ يوسف الدجوي وكان من المشايخ العلماء المعدودين في ذلك الوقت ، وله صلات بأهل العلم والوجهاء ، وتحدث معه في جمع الجهود لعمل إيجابي يرد به الكيد عن الإسلام، ولكن الشيخ الدجوي نصحه بأنه لا فائدة من كل ذلك وحسب الإنسان أن يعمل لنفسه وأن ينجو بها من هذا البلاء وتمثل بهذا البيت من الشعر

ومـا أبـالـي إذا نفـسـي تطـاوعـني علي النـجـاة بمـن قـد مـات أو هـلكا

أوصاه أن يعمل بقدر استطاعته وأن يدع النتائج علي الله ، ولم يعجب البنا هذا الجواب فقال للشيخ الدجوي :

” إنني أخالفك يا سيدي كل المخالفة في هذا الذي تقول ، وأعتقد أن هذا الأمر لا يعدو أن يكون ضعفًا فقط وقعودا عن العمل وهروبا من التبعات ، من أي شيء تخافون ؟ من الحكومة أو الأزهر ؟

يكفيكم معاشكم واقعدوا في بيوتكم واعملوا للإسلام ، فالشعب معكم في الحقيقة لو واجهتموه ، لأنه شعب مسلم وقد عرفته في المقاهي وفي المساجد وفي الشوارع ، فرأيته يفيض إيمانا ، ولكن قوة مهملة من هؤلاء الملحدين والإباحيين وجرائدهم ومجلاتهم لا قيام لها إلا في غفلتكم ، ولو تنبهتم لدخلوا جحورهم ، يا أستاذ إن لم تريدوا أن تعملوا لله فاعملوا للدنيا وللرغيف الذي تأكلون ، ولا ما تنفقون ، فدافعوا في هذه الأمة ضاع الأزهر وضاع العلماء فلا تجدون ما تأكلون ، ولا ما تنفقون ، فدافعوا عن كيانكم إن لم تدافعوا عن كيان الإسلام ، واعملوا للدنيا إن لم تريدوا أن تعملوا للآخرة وإلا فقد ضاعت دنياكم وآخرتكم علي السواء .

وانقسم الناس بعد هذا الكلام إلي فريقين ، فريق يتهم البنا بالإساءة إلي الشيخ وإلي علماء الأزهر ، وبذلك فقد أساء إلي الإسلام .

وفريق آخر يري أن البنا لم يرد إلا أن يجتمع العلماء لنصرة الإسلام وأن الناس ستكون من خلفهم ، ولم ينته الأمر إلي شيء إلا أن ينتقلوا إلي بيت أحد المشايخ الذي كان موعد معهم لزيارتهم فانتقلوا إليه وتحري البنا مكانًا قريبًا من الشيخ الدجوي وانتهز فرصة وكلم الشيخ الدجوي مرة أخري في الأمر ، وأصر عليه فما كان من الشيخ الدجوي إلا أن أعطاه بعض النقل ووعده بالتفكير في الأمر ، فرفض البنا هذا التفكير وقال له وللعلماء من حوله :

” سبحان الله يا سيدي إن الأمر لا يحتمل تفكيرا ، ولكن يتطلب عملاً ولو كانت رغبتي في هذه النقل وأمثالها لاستطعت أن اشتري بقرش وأظل في منزلي ولا أتكلف مشقة زيارتكم ، يا سيدي إن الإسلام يحارب هذه الحرب العنيفة القاسية ، ورجاله وحماته وأئمة المسلمين يقضون الأوقات غارقين في هذا النعيم ! أتظنون أن الله يحاسبكم علي هذا الذي تصنعون ؟

إن كنتم تعلمون للإسلام أئمة غيركم وحماة غيركم فدلوني عليهم لأذهب إليهم ” فوجم الجميع وفاض عين الشيخ وبعض الحاضرين بالدمع، ثم سأل الشيخ الإمام البنا وقال له :

وماذا أفعل ؟

قال له الإمام البنا :

أريد أن تحصر أسماء من تتوسم فيهم الغيرة علي الدين ليفكروا فيما يجب عمله ، يصدرون مجلة يردون فيها علي دعاة الإلحاد أو يؤلفون جمعيات يأوي إليها الشباب وينشطون حركة الوعظ والإرشاد ، ووافق الشيخ وتم كتابة أسماء العديد من العلماء والوجهاء حتى تكونت نواة طيبة من هؤلاء العلماء كان من نتيجتها ظهور مجلة الفتح الإسلامية التي رأس تحريرها الشيخ عبد الباقي سرور ، وكان مدير تحريرها السيد محب الدين الخطيب ثم آل تحريرها وإرادتها إليه ، وكذلك كان من ثمرتها جمعية الشبان المسلمين .

وظل حسن البنا يعيش بروح الداعية الذي يحب الخير للناس ويعتبر الدعوة إلي الله هي أفضل الأعمال وأزكاها ، وكلما سنحت له فرصة للتعبير عن ذلك بالفعل أو بالقول استغلها أفضل استغلال ، وعندما يطلب منه أستاذه في دار العلوم كتابة موضوع إنشاء يعبر فيه عن طموحاته وآماله كان أعظم آماله كما يقول في مذكراته :

” وهو أن أكون مرشدا ومعلما إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار ومعظم العام قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم ، ومنابع سعادتهم ، ومسرات حياتهم ، تارة بالخطابة والمحاورة ، وأخري بالتأليف والكتابة ، وثالثة بالتجول والسياحة ” وقد حقق الله له ذلك الأمر عندما أسس جماعة الإخوان المسلمين وأصبح مرشدا لها .
حسن البنا بين السلفية والصوفية
1- السلفية :
نشأ حسن البنا في بيئة سلفية حيث كان والده أحمد عبد الرحمن البنا من علماء الحديث الذي ألزم نفسه وأهله بالتزام السنة ، واشتغل بعلم الحديث وقام بترتيب مسند الإمام أحمد ابن حنبل واهتم بعلوم السنة وغيرها من العلوم ، وقد حمل أهله علي اقتضاء الصراط المستقيم ، يقول إبراهيم البيومي غانم في – الفكر السياسي لحسن البنا:

” ويبدوا من استقرار سيرة الشيخ أحمد أنه كان يحمل نفسه وأهله علي اقتضاء الصراط المستقيم من أداء للفرائض والتزام بالسنن النبوية .

وقد كان لدي الشيخ أحمد مكتبة عظيمة أفاد منها الابن حسن الإفادة الكبيرة بالإضافة لتوجيهه الابن إلي كثرة المطالعة وحفظ القرآن ثم دفع الوالد بالابن إلي الشيخ محمد زهران ذلك العالم السلفي الذي وصفه حسن البنا بأنه ” صاحب مدرسة الرشاد الدينية الرجل الذكي الألمعي ، العالم التقي ، الفطن اللقن الظريف ، الذي كان بين الناس سراجًا مشرقاً بنور العلم والفضل يضيء في كل مكان ” الذي قام بتحفيظ الإمام البنا القرآن وكذلك تعليمه الإنشاء والقواعد والتطبيق والمطالعة والمحفوظات بالإضافة لسنة الرسول صلي الله عليه وسلم عن طريق حفظ أحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم .

وكان هناك تعلق وحب شديد من الإمام البنا لأستاذه جعله يلازمه في كثير من أوقاته ويستفيد من مكتبته ، ويجالس العلماء الذين يأتون إلي الشيخ زهران مستمع إلي مناقشتهم ويتعلم منها .

وكان من نتاج هذه التربية التي أولاه إياها أبوه وشيخه وكذلك مشاركته ورئاسته لجمعية الأخلاق الأدبية وهو في المدرسة الإعدادية ، أن أصبح ذا شعور ديني قوى يدفعه إلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاربة الرذائل والمنكرات ، سواء كانت اعتقاديه أو سلوكية أو غيرها من المنكرات.

ودفعته هذه التربية إلي تكوين جمعية منع المحرمات هو وبعض أقرانه والتي كانت مهمتها تتلخص في إرسال الخطابات إلي من يرتكبون بعض الآثام أو لا يحسنون أداء العبادات ، ولم يمنعه حبه واحترامه لشيخه الشيخ زهران حين رآه يصلي الظهر بين السواري ( سواري المسجد وذلك مكروه ) أن يرسل إليه خطابًا يذكره فيه بأنه عالم البلدة والذي يجب أن يبتعد عن المكروه.

وقد راجع الشيخ الحكم معه ووجد أن الصواب في جانبه وعندما مر علي الشاطئ ووجد أحد أصحاب السفن يعلق علي ساريتها تمثالا خشبيًا عاريا وأن هذا الجزء من النيل تتردد عليه الفتيات والسيدات يستقين منه الماء ، فهاله هذا المنظر وذهب من فوره إلي ضابط النقطة الذي كان إيجابيا وقام معه من فوره وأمر صاحب السفينة أن ينزل هذا التمثال من سارية السفينة .

وكان من نتاج هذه النشأة أيضًا محافظته علي أداء الصلاة في وقتها حتى لو تعارض ذلك مع أي شيء آخر ، فيروي البنا أنه كثيرا ما جادل أساتذته الذين جادلوه علي أداء صلاة العصر علي وقتها وقد كان وقت أذانها في أثناء الحصص ، وقد برزت آثار التربية السلفية علي حسن البنا في ملابسه وزيه ، فقد كان يذهب إلي المدرسة بالعمامة ذات العدبة ونعل كنعل الإحرام في الحج ورداء أبيض فوق الجلباب وذلك لأنها السنة ، ويدافع عن ذلك الزى وتلك الهيئة باعتبارها سنة الرسول صلي الله عليه وسلم ، ويحكي البنا ذلك في مذكراته فيقول :

” لفت زيي نظر مدير التعليم إذ كنت ألبس عمامة ذات عدبة ونعلا كنعل الإحرام في الحج ورداء أبيض فوق الجلباب فسألني : لماذا ألبس هذا الزى ؟ فقلت : إنها السنة فقال : وهل عملت كل السنن ولم يبق إلا سنة الزى ؟ فقلت لا ونحن مقصرون كل التقصير ، ولكن ما نستطيع أن نفعله نفعله ، قال : وبهذا الشكل خرجت علي النظام المدرسي .

فقلت له : ولم يا سيدي ؟ إن النظام المدرسي مواظبة … وأنا لم أغب عن الدروس أبدا ، وسلوك وأخلاق .. وأساتذتي راضون عني والحمد لله ، وعلم ودراسة .. وأنا أول فرقتي . ففيم الخروج علي النظام المدرسي إذاً ؟ فقال : ولكنك إذا تخرجت وأصررت علي هذا الزى فسوف لا يسمح مجلس المديرية بتعيينك مدرسا حتى لا يستغرب التلاميذ علي هذا المظهر .

فقلت علي كل حال هذا لم يجيء وقته بعد ، وحين يجيء وقته يكون للمجلس الحرية ويكون لي الحرية كذلك ، والأرزاق بيد الله وليست بيد المجلس ولا الوزارة ” . وظل البنا محافظا علي هذا الزى حتى وصل إلي الفرقة الرابعة بدار العلوم فلبس لأول مرة (البدلة والطربوش) وإن ظل يكثر من لبس العمامة ذات العدبة والرداء الأبيض فوق الجلباب ، وظهرت آثار سلفية البنا حين دعوة الإخوان بأنها دعوة سلفية .

2- الصوفية :
بدأت علاقة الإمام البنا بالصوفية وهو بالمدرسة الإعدادية بالمحمودية حينما كان يواظب علي درس الشيخ زهران بين المغرب والعشاء ، فشاهد الجلسات التي كانت تعقد بعد العشاء وجذبه إليه أصواتهم المنسقة الجميلة وروحانيتهم الفياضة ، وسماحتهم مع الصبيان الصغار وتواضعهم لهم ، فواظب الصبي حسن البنا علي هذه الجلسات وتوطدت صلاته بالشباب منهم وتعرف في هذه الحلقات علي أحمد أفندي السكري .

ثم واظب البنا علي الوظيفة الزروقية صباحا و مساء والتي كانت عبارة عن بعض آيات القرآن وأحاديث من أدعية الصباح والمساء وضع والده عليها تعليقا جاء فيه بأدلة صيغها جميعًا تقريبًا من الأحاديث الصحيحة وسمي الرسالة ” تنوير الأفئدة الزكية بأدلة أذكار الزروقية ” .

ثم زاد تعلق البنا بالطريقة الحصافية ومؤسسها عندما قرأ كتاب ” المنهل الصافي قي مناقب حسنين الحصافي ” حيث تعرف علي شيخ الطريقة الأول ووجد أنه عالم أزهري تفقه علي مذهب الإمام الشافعي وبلغ درجة عالية من العلم ، وكان طائعًا لله محافظا علي عباداته ، ومؤديا للفرائض حريصا علي السنة والنوافل ، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ، منتصرا للكتاب والسنة محاربا للبدع والخرافات التي كانت منتشرة في الطرق الصوفية حينذاك ، وكان أعظم ما أثر في نفس حسن البنا من سيرة هذا الشيخ هو أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ، لا يخاف في الله لومة لائم ، يأمر الكبار والصغار ، يأمر أتباعه ومريديه بالتزام السنة والشرع والبعد عن الخرافة وكذلك الكبار حتى الخديوي توفيق .

وكان من تعلق البنا بشيخ الطريقة أن رآه في المنام علي صورة رسمها له في خياله وزادته تعلقا به حيث يروي البنا :

” وزادني تعلقا بالشيخ الجليل رحمه الله أنني رأيت في هذه الأثناء وعلي أثر تكراري للقراءة في المنهل ، فيما يري النائم أنني ذهبت إلي مقبرة البلد ، فرأيت قبرا فخما يهتز ويتحرك ثم زاد اهتزازه واضطرابه حتى انشق فخرجت منه نار عالية امتدت إلي عنان السماء ، وتشكلت فصارت رجلا هائل الطول والمنظر ، واجتمع الناس عليه من كل مكان فصاح فيهم بصوت واضح مسموع وقال لهم : أيها الناس إن الله قد أباح لكم ما حرم عليكم فافعلوا ما شئتم .

فانبريت له من وسط هذا الجمع وصحت في وجهه ” كذبت ” والتفت إلي الناس وقلت لهم : ” أيها الناس هذا إبليس اللعين وقد جاء يفتنكم عن دينكم ويوسوس لكم فلا تصغوا إلي قوله ولا تسمعوا كلامه ” فغضب وقال : ” لابد من أن نتسابق أمام الناس فإن سبقتني ورجعت إليهم ولم أقبض عليك فأنت صادق ” فقبلت شرطه وعدوت أمامه بأقصى سرعتي وأين خطوي الصغير من خطوة الجبار ، وقبل أن يدركني ظهر الشيخ رحمه الله من طريق معترض وتلقاني في صدره واحتجزني بيساره ورفع يمناه مشيرا بها إلي هذا الشيخ صائحًا في وجهه أخسأ يا لعين فولي الأدبار واختفي ، وانطلق الشيخ بعد ذلك فعدت إلي الناس وقلت لهم : أرأيتم كيف أن هذا اللعين يضلكم عن أوامر الله .

” وظل البنا معلق العقل بالشيخ وبالطريقة التي التقي بابن الشيخ وشيخ الطريقة السيد عبد الوهاب الحصافي الذي تلقي عن الطريقة الحصافية الشاذلية وبايعه وأذن له بأورادها ووظائفها .

لقد كان تعرف حسن البنا علي الطريقة الحصافية وانضمامه لها من عناية الله به ، فقد تعرف عليها وهو بين الثانية عشر من عمره في فترة البلوغ وفترة المراهقة فعصمه الانضمام من الانغماس في اللهو مثل أقرانه وكذلك عصمه من الانحراف ، وربت فيه مراقبة الله والخوف من عذاب الله والرغبة في جنته ، وكذلك وفرت له سبل تفريغ طاقته الروحية والجسمية بطريقة صحيحة . وقد وجد الإمام في بعض من سبقه في الطريقة أمثلة للتعبد الصحيح وكذلك بعض أهل العلم . وقد استفاد البنا من هذه الطريقة كثيراً .

فقد علمه شيخ الطريقة وابن مؤسسها الشيخ عبد الوهاب الحصافي البعد عن الجدل وعدم صرف الأوقات إلا في طاعة الله ، وعدم شغل أوقات الأتباع إلا بالمفيد النافع ، وقد كان الشيخ مثالا في ذلك وغيرها من الخصال النافعة ” .

يقول الإمام الشهيد:”

وجزي الله عنا السيد عبد الوهاب خير الجزاء ، فقد أفادتني صحبته أعظم الفائدة ، وما علمت عليه في دينه وطريقته إلا خيرا ، وقد امتاز في شخصيته وإرشاده ومسلكه بكثير من الخصال الطيبة : ومن العفة الكاملة عما في أيدي الناس ومن الجد في الأمور والتحرز من صرف الأوقات في غير العلم أو التعلم أو الذكر أو الطاعة أو التعبد ، سواء أكان وحده أم مع إخوانه ومريديه ، ومن حسن التوجيه لهؤلاء الإخوان وصرفهم عمليا إلي الأخوة والفقه وطاعة الله .

وأذكر من أساليبه الحكيمة في التربية أنه لم يكن يسمح للإخوان المتعلمين أن يكثروا الجدل في الخلافيات أو المشتبهات من الأمور أو يرددوا كلام الملاحدة أو الزنادقة أو المبشرين مثلا أمام العامة من الإخوان ، ويقول لهم : اجعلوا هذا في مجالسكم الخاصة تتدارسونه فيما بينكم ، فقد تعلق بنفس أحدهم الشبهة ولا يفهم الرد فيتشوش اعتقاده بلا سبب وتكونون أنتم السبب في ذلك .

وظهر أثر هذه التربية في توجيهات الإمام البنا لإخوانه مثل “دع المراء فإنه لا يأتي بخير ” وقوله : ” الواجبات أكثر من الأوقات فعاون غيرك علي أن ينتفع بوقته ” .

وقد كان لبعض الإخوان الحصافية فضل علي البنا وأثر في تربيته الروحية من حسن صلته بالله ومراقبته وخوف من عذابه ورغبة فيما عند الله فقد كان الشيخ محمد أبو شوشة من رجال الحصافية وكان يجمع بعض الشباب ( وكان البنا يحضر هذه الاجتماعات ) ويذهب بهم إلي المقبرة حيث تتم زيارة القبور ثم يجلسهم في مسجد قريتهم .

يذكرون الله ويذكَُرهم ويعظهم ويعرفهم بسير الصالحين ويبصرهم بمصير الأولين والآخرين ، ثم يأمر بعضهم بنزول القبر والاضطجاع فيه حتى يتذكر مصيره ثم يأمرهم بالتوبة إلي الله وبالإقلاع عن المعاصي ، كما كان البنا يحضر دروسا في شرح الإحياء للشيخ حسن خزبك وكان يعتكف الليالي الكثيرة مع الإخوان الحصافية سواء في مسجد الحي أو مصلي الحطاطبة عند كوبري إفلاقة .

وكان انغماس البنا في التصوف ومع الإخوان الحصافية يتيح له تفريغ طاقته الجسدية ، فكان رغم قيامه الليل ومواظبته علي مجالسهم بدمنهور يحضر دروسه بالمدرسة ويذاكر هذه الدروس بجد واجتهاد ، فضلا عن مشاركته في الأنشطة الطلابية والأنشطة الاجتماعية ، وكذلك الأنشطة الوطنية ، وكان في أيام الجمع التي يقضيها في دمنهور يقوم هو وزملاؤه بزيارة مسجد إبراهيم الدسوقي سيرا علي الأقدام جيئة وذهابا يقطعون فيها حوالي أربعين كيلو متراً سيراً علي الأقدام .

أما إذا ذهب في نهاية الأسبوع إلي المحمودية فإن هناك برنامجًا يستنفد طاقات هذا الغلام فيقول الإمام :

” كنت أنزل من قطار الدلتا إلي الدكان مباشرة ، فأزاول عملي في الساعات إلي قبيل المغرب حيث أذهب إلي المنزل لأفطر إذ كان من عادتنا صوم الخميس والاثنين ، ثم إلي منزل الشيخ شلبي الرجال أو منزل أحمد أفندي السكري للمدارسة والذكر ، ثم إلي المسجد لصلاة الفجر ، وبعد ذلك استراحة يعقبها الذهاب إلي الدكان وصلاة الجمعة والغداء والدكان إلي المغرب فالمسجد وفي الصباح إلي المدرسة ، وكان هذا البرنامج في الصيف يضاف إليه عمل جديد وهو المذاكرة كل صباح من طلوع الشمس تقريبًا إلي الضحوة الكبرى مع أستاذنا الشيخ محمد خلف نوح في منزله” .
وقد ظل البنا في الطريقة الحصافية حتى أسس جمعية الإخوان المسلمين ، وقد تركت مرحلة التصوف آثارها علي نفس البنا وأثرت في دعوته ، فنجد البنا يسمي أذكار الصباح والمساء بالوظيفة ، وكذلك في نظام الكتيبة نجد فيها الصلاة والقيام والتقشف في المأكل والنوم وكذلك دروس التكوين الروحي ، كل ذلك من آثار الصوفية وتجده يذكر في خصائص دعوة الإخوان أنها حقيقة صوفية ، والبنا في ذلك يقصد بالصوفية ما كان يسميه ” علوم التربية والسلوك ” وهي التي ترسم له طريقة خاصا من مراحل الذكر والعبادة ومعرفة الله ، ونهايته تكون إلي الجنة ومرضاة الله وهذا الذي قصده البنا من أن دعوته حقيقة صوفية .

البنا والحركة الوطنية
” علي الرغم من انضمام البنا وهو في سن صغيرة إلي الصوفية وانشغاله بالأوراد والصلاة وزيارة الأولياء ، إلا أن ذلك لم يمنعه وهو تلميذ في الإعدادية ، وفي سن الثالثة عشر من المشاركة في الحركة الوطنية وقيادة زملائه في المظاهرات والإضرابات التي كانت تنظم في المدرسة ، بل يكتب شعرا يرثي فيه الزعيم الوطني محمد فريد ، ويهاجم في إصرار لجنة “ملنر” ولقد جمع من هذه البواكير ديوانًا كبيرا .

يقول الإمام البنا : ” ولازلت أذكر يوم دخل علينا أستاذنا الشيخ محمد خلف نوح – المدرس بالمعارف بالإسكندرية – والدموع تترقرق في عينيه فسألناه الخبر فقال :

” مات محمد فريد بك ” وأخذ يحدثنا عن سيرته وكفاحه في سبيل الوطن حتى أبكانا جميعًا وأوحت لي هذه الذكري ببعض الأبيات لازلت أحفظ مطلعها وشطراً آخر :

أفــريد نم بالأمـن والإيـمـان أفــريد لا تـجـزع عـلـي الأوطـان

أفــريد تفـديـك البـلاد بـأسـرهــا

ولازلت أذكر حديث الناس حول لجنة ملنر وإجماع الأمة علي مقاطعتها ، وكيف كان هذا الشعور فياضا غامرا حتى إنه يدفع بتلميذ الثالثة عشر إلي أن يقول :

يـا مـلـنـر ارجـع ثـم سـل وفــدا ببــاريـس أقــام وارجـع لقــومك قــل لـهـم لا تـخـدعـوهم يـا لـئـام

في قصيدة طويلة لا أذكر منها إلا هذين البيتين .

وبعد أن انتقل إلي مدرسة المعلمين بدمنهور استمر حسن البنا في المشاركة في فعاليات العمل الوطني ضد الإنجليز وأعوانهم ، وقد كان في المقدمة من زملائه حيث كان رغم اشتغاله بالتصوف يعتقد أن الخدمة الوطنية جهاد مفروض لا مناص منه ، وكان للبنا دور بارز مع الطلاب في قيادة الإضرابات حيث كان المجموعة القيادية

يقول البنا :

ولست أنسي أستاذنا الشيخ الدسوقي موسي ناظر المدرسة الذي كان يخشي هذه التبعات كثيرا وقد أخذ بيدنا إلي مدير البحيرة حينذاك محمود باشا عبد الرازق وألقي مسئولية إضراب الغير علينا، وقال : إن هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يقنعوا الطلاب بالعدول عن إضرابهم .

وعبثا حاول محمود باشا أن يقنعنا بالوعد أو الوعيد أو بالنصح ، ثم صرفنا علي أن نتدبر الأمر . فكان تدبيرنا أن أوزعنا إلي الطلاب جميعًا بالتفرق في الحقول المجاورة طول اليوم وكان يوم 18 ديسمبر ذكري الحماية البريطانية ، وذهبنا نحن إلي المدرسة وسلمنا أنفسنا لإدارتها وانتظرت وانتظرنا من يجيء ولا من يجيب ، فانصرفنا بعد فترة رغم الإضراب وانتهي اليوم بسلام .

بل إن البنا ليشارك في الإعداد للإضراب ويواجه ضابط البوليس الذي جاء ليقبض عليه وزملائه ، ويذكره بواجبه الوطني حتى يرجع الضابط عن مهمة القبض عليهم ويطمئنهم ويؤمنهم ، فكان مما قاله البنا للضابط ليصرفه :

” إن واجبه الوطني يفرض عليه أن يكون معنا ، لا أن يعطل عملنا ويقبض علينا ، ولا أدري كيف كانت النتيجة . إنه استجاب لهذا القول فعلا ، فخرج وصرف عساكره وانصرف معهم بعد أن طمأننا ” .

علاقة الإمام البنا بزعماء التيار الإسلامي المعاصرين له
لقد كان للإمام البنا علاقات واسعة بكل زعماء التيار الإسلامي المعاصرين له ، وتأثر بهم وأثر فيهم ومن هؤلاء :

1– السيد رشيد رضا
كان الإمام البنا علي صلة وثيقة بالشيخ رشيد رضا وأسرته منذ كان طالبًا بدار العلوم ، وكانت دار مجلة المنار ملتقاه بأكثر من التقي بهم من رجالات الحركة الإسلامية في ذلك العهد ، واتخذت أكثر المقررات في مواجهة المؤامرات ضد الإسلام في تلك الدار ، وظل الأستاذ علي اتصال بالشيخ بعد قيام دعوة الإخوان وكان يستشيره في كثير من الأمور .

وقد أشار البنا إلي لقاءاته المتكررة به ، وحرصه علي قراءة المنار وأثني كثيراً علي جهود رشيد رضا ومجلته ، واعتبر أنها ” أسست مدرسة فكرية إسلامية تقوم علي قواعد الإصلاح الإسلامي الجليل لازالت آثارها باقية في نفوس النخبة المستنيرة من رجال الإسلام ، ووقفت للملحدين والإباحيين والجامدين بالمرصاد في مصر وغيرها من الأقطار .

وقد تولي البنا تحرير مجلة المنار بعد وفاة الشيخ رشيد رضا بعدة سنوات ، واجتهد البنا أن تصدر بنفس شكلها القديم فقام باستكمال تفسير القرآن من حيث انتهي الشيخ رشيد ، وكان حريصًا علي أن يكون بنفس أسلوبه ” تفسير سلفي أثري مدني عصري إرشادي اجتماعي سياسي ” وقام بشرح هذا الأسلوب في أول حلقة من تفسيره ، ثم إضافة إلي التفسير قام بتحرير ” فتاوى المنار ” ليرد فيه علي أسئلة القراء ، وباب ” موقف العالم الإسلامي السياسي ” ليورد فيه أهم أخبار العالم الإسلامي ، ويعلق عليها . كما دأب علي نشر سلسلة من المقالات للشيخ رشيد رضا اعترافًا بفضله ، وتأكيداً لتعاليمه .

وقد كان البنا يعتبر جماعة الإخوان المسلمين الجماعة التي تمني الشيخ رشيد رضا أن يوجدها حيث قال :

” سيكون المنار منذ هذا العام ( 1354هـ – 1935م ) لسان جماعة للدعوة إلي الإسلام وجمع كلمة المسلمين ، أنشئت لتخلف جماعة الدعوة والإرشاد .

لذلك فقد كتب البنا في افتتاحية المنار بعد استأنف تحريرها يقول معلقًا علي أمنية الشيخ رشيد السابقة :

” يا سبحان الله إن جماعة الإخوان المسلمين هي الجماعة التي كان يتمناها السيد رشيد رضا رحمه الله ، ولقد كان يعرفها منذ نشأتها ، ولقد كان يثني عليها في مجالسه الخاصة ، ويرجو لها خيراً كثيراً ، ولقد كان يهدي إليها مؤلفاته فيكتب عليها بخطة : ” من المؤلف إلي جماعة الإخوان المسلمين النافعة ” ولكنه ما كان يعلم أن الله قد ادخر لهذه الجماعة عبئه وأن تتم ما بدأ به ، وأن تحقق فيها أمنية من أمانيه ” .

ولقد ظل البنا متأثراً بالشيخ رشيد رضا حتى النهاية خاصة بمنهجه في تحرير المنار ، فعندما أصدر البنا مجلة الشهاب أكد مجدداً في افتتاحية عددها الأول علي وفائه للشيخ رشيد رضا ، وأمنيته أن تسير ” الشهاب ” علي أثر ” المنار ” وقد كان إلا أنه لم يصدر منها سوي خمسة أعداد فقط ثم أغلقت .

2 – الشيخ محب الدين الخطيب
ترجع أهمية شخصية السيد محب الدين الخطيب وهو من أصل سوري إلي اعتبارات عديدة تتصل بثقافته الواسعة ونشاطه الحركي المكثف ، وخاصة في ميدان عضويته وتكوين الجمعيات والأحزاب والتنظيمات العلنية والسرية في بلدان عربية مختلفة ، ومن ذلك قيامه بتأسيس حلقة دمشق الصغرى أسوة بحلقة دمشق الكبرى التي أسسها الشيخ طاهر الجزائري ، وعضويته بجمعية النهضة العربية ، وبحزب اللامركزية العثمانية ، ومشاركته في تأسيس جمعيته العربية الفتاة وغيرها ، وكان علي صلة بدائرة واسعة من الشخصيات والقيادات الفكرية والسياسية البارزة من أمثال الشيخ طاهر الجزائري ، والشيخ جمال الدين القاسمي ، ورفيق العظم ، ومحمد كرد علي ، و عبد الحميد الزهراوي، والسيد رشيد رضا ، وغيرهم .

وبعد أن استقر به المقام فيمصر نشط في مجال الصحافة والنشر والدعوة للإصلاح والتحذير من المخاطر التي يتعرض لها المسلمون ، وركز علي دعوته في الإصلاح علي ناحيتين :

الصحافة والتربية ، وإصلاح نظام التعليم، وفي عام 1343هـ 1924م أعاد تأسيس المكتبة السلفية ، وأنشأ المطبعة السلفية التي صدرت عنها مجلة الفتح ثم كان من أبرز مؤسسي جمعية الشبان المسلمين ( 1346هـ – 1927م ) .

عرف الإمام البنا محب الدين الخطيب أثناء دراسته في دار العلوم ، حيث كان يتردد علي المكتبة السلفية :

” حيث نلقي الرجل المؤمن المجاهد العامل القوى العالم الفاضل الصحفي الإسلامي القدير : السيد محب الدين الخطيب ” وكان يتلقي فيها بكثير من كبار العلماء وكتابمجلة الفتح ” أمثال الشيخ رشيد رضا والشيخ مصطفي صبري والشيخ محمد الخضر حسين ، والشيخ يوسف الدجوي ، والشيخ عبد الوهاب النجار ” وقد أورد في مذكرات الدعوة والداعية ما يؤكد أنه كان وثيق الصلة بمعظمهم .

وقد شارك البنا بجهد كبير بل لعله كان بمثابة الشرارة الأولي ضمن الجهود التي ظهرت علي أثرها مجلة الفتح ، ثم تأسست في العام التالي لها جمعية الشبان المسلمين ، يبدو ذلك طبقاً لما يرويه البنا أنه ارتبط مع السيد محب الدين الخطيب بصلة وثيقة ، حيث نشرت أولي مقالاته وكان لا يزال شابًا حديث التخرج في مجلة الفتح ، وعندما صدرت مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية أسندت إدارتها إليه ، وطبعت بالمطبعة السلفية لمدة عامين ، كما أسهم محب الدين الخطيب في تحرير جريدة الإخوان المسلمين اليومية بعد ذلك ، وكان يرأس القسم المتعلق بالعالم الإسلامي .

3 – الشيخ يوسف الدجوي
كان الشيخ يوسف الدجوي من كتاب مجلة الفتح ، وكان البنا يقرأ له كثيراً ويلتقي به مع باقي العلماء في المكتبة السلفية ، وكان الرجل سمح الخلق ، حلو الحديث ، صافي الروح بحكم النشأة الصوفية ، وكان بين البنا وبينه صلة روحية وعلمية حملته علي زيارته الفينة بعد الفينة ، وكان بين البنا بما في نفسه من الإصلاح وضرورة مواجهة الملحدين والإباحيين وجرائدهم ومجلاتهم بعمل إيجابي ، وظل البنا يلح عليه إلي أن استجاب وبدأ العمل فظهرت مجلة الفتح ، ثم تكونت بعدها جمعية الشبان المسلمين .

4 – الأستاذ محمد فريد وجدي
كان الأستاذ محمد فريد وجدي ( 1295- 1373هـ 1878- 1954م ) من رواد تجديد الفكر الإسلامي عن طريق استيعاب ونقد الفكر الغربي ، وهو صاحب مجلة الحياة ، ودائرة معارف القرن العشرين ، وله مؤلفات كثيرة أخري ، وكانت له آراء كثيرة أثارت الجدل وتعددت بشأنها وجهات النظر .

وكانت للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا – والد حسن البنا – صداقة بالأستاذ محمد فريد وجدي ، فكان حسن البنا أثناء وجوده في القاهرة كثيراً ما يذهب إليه حيث كانت داره مجتمع الفضلاء من الناس يتدارسون علومًا شتى ثم يخرجون للنزهة .

وحدث ذات مرة أن دارت بين البنا والأستاذ محمد فريد وجدي مناقشة حول شخصية الأرواح يقول البنا :

إذا كان فريد بك يري أن الأرواح التي تستحضر هي أرواح الموتى أنفسهم ، وأري غير ذلك ، وتشعب بنا البحث في هذه الناحية وانتهينا وكل عند وجهة نظره ، وقد أفدت كثيراً من هذه المجالس حينذاك ” .

5 – الشيخ طنطاوي جوهري
عمل أستاذاً بدار العلوم فترة طويلة ، وكان ذائع الصيت في مصر وفي خارج مصر ، وكثيراً ما كان يقصده العلماء من البلاد الشرقية ومن الغرب :

من أمريكا وإنجلترا وفرنسا ، يتلقون علي يديه علومًا معينة ، وكان يلقب ” بحكيم الإسلام ” وله كتب عديدة ، أهمها تفسيره للقرآن المسمي ” الجواهر ” بلغ 32 جزءاً تقريبًا وقيل عن علمه : ” لا ينحصر في دائرة محدودة ” .

وبعد اقتناع الشيخ طنطاوي جوهري بالدعوة قال له الشيخ البنا : يا سيدي الأستاذ إنك أستاذنا وأستاذ الجميع ، وأنت حكيم الإسلام ، وأراك أحق بمنصب الإرشاد لهذه الدعوة مني وهذه يدي أبايعك .. فقال الشيخ : لا يا أخي .. أنت صاحب الدعوة وأنت أقدر عليها وأنت أقدر بها ، وأنا أبايعك علي ذلك ، ومد يده فبايعه ، ولم ينكث – رحمه الله – بيعته إلي أن لقي ربه .

كان الشيخ طنطاوي جوهري يحاول من خلال جهوده العلمية المكثفة أن يؤكد أن الإسلام دين العقل والتجدد لا دين التسليم والتقليد ، وقد تميز منهجه في هذا الصدد ” باستخدام أساليب الغرب المهاجم بعد استيعابها والاستفادة منها ، ولذلك دعا علماء المسلمين وشبابهم إلي الاستعانة علي توثيق إيمانهم بدراسة العلوم الطبيعية الحديثة ، وحثهم علي ارتياد آفاق المعرفة ، واعتبار ذلك تكليفًا شرعيًا يتم به إيمانهم ويصبحون أهلا لأن يستخلفهم الله في إصلاح الأرض وهداية أهلها .

سمع الشيخ طنطاوي جوهري عن الشيخ حسن البنا ، فذهب إليه وسأله إلام تدعو ؟ قال :

أدعو إلي القرآن فقال : دع هذا اللفظ الكريم من حديثنا فإن هذا اللفظ مظلوم ظلمًا من فرقة قامت في الدولة الإسلامية مهما كانت زائفة عن الإسلام إلا وادعت أنها تدعو إلي القرآن ، فأجبني بتفاصيل ما تدعو إليه في كل ناحية من نواحي الحياة .

قال : فشرح لي تفاصيل دعوته فوجدتها في حدود كتاب الله ..”

ثم عايش الشيخ طنطاوي جوهري الشاب حسن البنا فرأي فيه صفات القائد الذي يفتقده العالم الإسلامي في آرائه وفهمه لكتاب الله ، وإحاطته بالتاريخ ، وفهمه للمجتمع الذي يعيش فيه ، وذكائه ، وألمعيته ، وشخصيته الأخاذة ، ومقدرته علي جمع الناس علي دعوته ، صبره علي المكاره ، وتعففه عما في أيدي الناس ، وبذله في سبيل دعوته ، ولين جانبه ، وتواضعه بحيث لا تكاد تميزه من أتباعه .

وهكذا كانت تربط البنا بكثير من العلماء وقيادة الفكر في المجتمع صلات كثيرة ووثيقة ، تعرضنا لبعضهم علي سبيل المثال ، ونذكر منهم أيضاً الأمير شكيب أرسلان ، والشيخ مصطفي صبري المنفلوطي ، ومصطفي صادق الرافعي ، وتيمور باشا ، ومحمد إقبال ، وغيرهم ، وهذا يوضح لنا المناخ الفكري العام الذي أحاط بالإمام من خلال هؤلاء وأمثالهم ما يمكن أن يكون قد تأثر به البنا بشكل أو بآخر ، وكان له بعد ذلك أن يأخذ ويدع ، ويقبل ويرفض ، وينتقد ويصحح ، حسب فكره ومنهجه ، ودعوته.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سبيل الظفر عبادة ثم قيادة.. بقلم: الإمام الشهيد حسن البنا

هكذا يجب أن يكون الإخوان المسلمون رأيته شيخًا أشيب قد اجتاز مراحل العمر، وخطا إلى ...