الأشهر الحرم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

شهر رجب هو أحد الأشهر الحرم التي عظم الله – سبحانه – أمرها,
وشدد فيها على تحريم الظلم والتعدي على الغير, فقد كانت موسما يضع الناس فيه سلاحهم،
وينصتون إلى صوت العقل والحكمة في حل مشكلاتهم, فما أحوج البشرية اليوم أن تضع سلاحها,
وأن تتجرد عن أسلحة الفتك والدمار التي تأتي على الأخضر واليابس،
وتبـيد كل ما يدب على الأرض من حياة وأحياء. ثم ما أحوجنا نحن المسلمين أن نشيع في العالمين
مفاهيم الأمن والسلام التي جاء بها ديننا وأقرتها شريعتنا, فديننا اسمه: الإسلام, عنوان السلام،
ومفردات عقيدتنا تسمى: الإيمان, عنوان الأمن والطمأنينة,
ونبينا صلى الله عليه وسلم ما أرسل إلا رحمة للعالمين, وما كلفنا نحن أتباعه إلا لنحمل الخير والأمن للناس أجمعين.
أولاً: الله يصطفي ما يشاء من الزمان والمكان
لقد فضل الله بعض مخلوقاته على بعض، اصطفاءً منه واختيارًا، وتشريفًا وتكريمًا
( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ ) سورة القصص آية68، وإن مما فضل الله عز وجل من مخلوقاته، تفضيله بعض الأزمان على بعض، فجعلها موسمًا لإفضاله وإنعامه، ومتَّجرًا لأوليائه وأصفيائه، يغتنمونها بما يقربهم إليه تعالى، ويدنيهم من رحمته ورضوانه.
وإن الأشهر الحرم من أعظم الشهور عند الله قدرًا، وأجلها شرفًا، وأكثرها فضلاً، فقد جعلها الله تعالى موسما, يتقرب فيه الناس إلى خالقهم, يستمطرون فضله, ويرجون خيره, ويأمنون فيه على أنفسهم, ودمائهم, وأعراضهم, وأموالهم, وممتلكاتهم. يقول الله عز وجل: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) سورة التوبة آية 36. قال العِزُّ بن عبدِالسَّلام رحمه الله: وتفضيل الأماكن والأزمان ضربان: أحدهما: دُنيويٌّ.. والضرب الثاني: تفضيل ديني راجعٌ إلى الله، يجود على عباده فيها بتفضيل أجر العاملين، كتفضيل صوم سائر الشهور، وكذلك يوم عاشوراء.. ففضلها راجعٌ إلى جود الله وإحسانه إلى عباده فيها.. ((قواعد الأحكام1/ 38) .
ثانيًا: احترام الأشهر الحرم قيمة إسلامية
الحُرُم جمع حرام – كسحب جمع سحاب – مأخوذ من الحرمة وذلك لأن الله -تعالى – أوجب على الناس احترام هذه الشهور، ونهى عن القتال فيها، وقد أجمع العلماء على أن المراد بها: رجب, وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم. ثلاثة متواليات: ذو القعدة, وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان )، وسماه صلى الله عليه وسلم رجب مضر، لأن بنى ربيعة بن نزار كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجب, وكانت قبيلة مضر تحرم شهر رجب نفسه، لذا قال صلى الله عليه وسلم فيه ” ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان “. قال الحافظ ابن كثير: وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة: ثلاثة سرد. وواحد فرد؛ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة فحرم قبل الحج شهراً وهو ذو القعدة, يقعدون فيه عن القتال, وحرم شهر ذي الحجة, لأنهم يوقعون فيه الحج، ويشتغلون بأداء المناسك ، وحرم بعده شهرا آخر وهو المحرم ، ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين ، وحرم شهر رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب ، فيزوره ثم يعود إلى وطنه آمنا .
والقيم: القائم الثابت المستقيم الذي لا التواء فيه ولا اعوجاج, أي: ذلك الذي شرعناه لكم من كون عدة الشهور كذلك، ومن كون منها أربعة حرم: هو الدين القويم، والشرع الثابت الحكيم، الذى لا يقبل التغيير أو التبديل. لا ما شرعه أهل الجاهلية لأنفسهم من تقديم بعض الشهور وتأخير بعضها استجابة لأهوائهم وشهواتهم ، وإرضاء لسادتهم وكبرائهم.
وقال القرطبي: “خص الله _تعالى_ الأشهر الحرم بالذكر ونهى عن الظلم فيها تشريفاً لها، وإن كان منهياً عنه في كل الزمان، كما قال –تعالى-: ” فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَج ِّ” (البقرة: من الآية197).
ولقيمة هذه الأشهر الحرم ميزها الله تعالى بأن تكون فاتحة العام وخاتمته؛ قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: “إن الله افتتح السنة بشهر حرام واختتمها بشهر حرام، فليس شهر في السنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله من شدة تحريمه
ثالثًا: تحريم الظلم والقتل وترويع الآمنين في هذه الأشهر الكريمة
قال تعالى: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) أي: في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنه آكد وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف، لقوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) سورة الحج آية 25.
وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام؛ ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حَقِّ من قتل في الحرم أو قتل ذا محرم.
وقال قتادة: إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيما. ويرى ابن عباس: أن الضمير المؤنث في ( فِيهِنَّ ) من قوله (فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) يعود على جميع الشهور. أي: فلا تظلموا في الشهور الاثني عشر أنفسكم، بأن تفعلوا فيها شيئاً مما نهى الله عن فعله، ويدخل في هذا النهى هتك حرمة الأشهر الأربعة الحرم دخولا أوليا. ويرى جمهور العلماء أن الضمير يعود إلى الأشهر الأربعة الحرم ، لأنه إليها أقرب؛ ولأن الله تعالى قد خص هذه الأربعة بمزيد من الاحترام تشريفا لها. وقد رجح الإمام ابن جرير ما ذهب إليه الجمهور فقال: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال : فلا تظلموا في الأشهر الأربعة أنفسكم باستحلال حرامها، فإن الله عظمها وعظم حرمتها .
رابعًا: نحن أولى بالأشهر الحرم من جاهليّ مكة:
قد كان أهل الجاهلية يعظمون هذه الأشهر الحرم وخاصة شهر رجب فكانوا لا يقاتلون فيهن. فعن أبي رجاء العطاردي قال: كنا في الجاهلية إذا دخل رجب نقول جاء منصل الأسنة لا ندع حديدة في سهم ولا حديدة في رمح إلا انتزعناها فألقيناها. وقال قيس بن أبي حازم عن شهر رجب: كنا نسميه (الأصم) في الجاهلية من حرمته أو شدة حرمته في أنفسنا. وقال الإمام البيهقي : إنما كانوا يسمون رجب بالأصم لأنه كان لا يسمع فيه قعقعة السلاح. وقد كان أهل الجاهلية إذا دخل رجب يعطلون أسلحتهم ويضعونها, فكان الناس يأمنون وتأمن السبل ولا يخاف بعضهم بعضا حتى ينقضي. وإذا كانت الجاهلية حريصة على الدماء وتحريمها, وانتزاع أيام وشهور من السنة تضع فيها السلاح وتجتنب فيها التقاتل وسفك الدماء, فإن الإسلام أشد محافظة وأكثر تعظيما لحرمة الإنسان، وشريعته شديدة التعظيم للدماء وتحريمها, ولنستمع إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم يقول في خطبة الوداع: (إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا) رواه مسلم.
خامسًا: تفاضل الأشهر الحرم فيما بينها: قال ابن رجب: “وقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل؟ فقال الحسن وغيره: أفضلها شهر الله المحرم، ورجحه طائفة من المتأخرين، وروى وهب بن جرير عن قرة بن خالد عن الحسن، قال: إن الله افتتح السنة بشهر حرام وختمها بشهر حرام، فليس شهر في السنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرم، وكان يسمى شهر الله الأصم من شدة تحريمه، و أخرج النسائي من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال:” سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الليل خير وأي الأشهر أفضل؟ فقال: “خير الليل جوفه، وأفضل الأشهر شهر الله الذي تدعونه المحرم”، وإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أفضل الأشهر، محمول على ما بعد رمضان، كما في رواية الحسن المرسلة” ا.هـ.

اضف رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حب الإصلاح ونصرة الدين

( النهوض بالنفس والأسرة والمجتمع ) “ إن أريد الإصلاح مما استطعت وما توفيقي إلا ...