محبة الله

اعلم أن المحبة لله تعالى هى الغاية القصوى من المقامات ،
فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها ، وتابع من توابعها ،
كالشوق و الأنس والرضى ، ولا قبل المحبة مقام إلا وهو من مقدماتها ، كالتوبة ، والصبر ، و الزهد ، وغيرها .
واعلم أن الأمة مجمعة على أن الحب لله ولرسوله فرض ، ومن شواهد المحبة قوله تعالى :{ يحبهم ويحبونه } ، وقوله تعالى :
{ و الذين آمنوا أشد حباً لله }
وهذا دليل على إثبات الحب لله ، وإثبات التفاوت فيه .
وفى الحديث الصحيح : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال :
🙁 ما أعددت لها ؟ قال : يارسول الله : ما أعددت لها من كثرة صلاة ولا صيام ، إلا أنى أحب الله ورسوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( المرء مع من أحب ، وأنت مع من أحببت ) .
فما فرح المسلمون بعد الإسلام فرحهم بها .
وروى أن ملك الموت جاء الى الخليل ابراهيم عليه السلام ليقبض روحه ، فقال له : هل رأيت خليلاً يميت خليله ؟ فأوحى الله إليه : هل رأيت حبيباً يكره لقاء حبيبه ؟ فقال ياملك الموت اقبض .
وقال الحسن البصرى رحمه الله :
من عرف ربه أحبه ، ومن أحبُّ غير الله تعالى ، لا من حيث نسبته الى الله ، فذلك لجهله وقصوره عن معرفته ، فأما حب الرسول صلى الله عليه وسلم فذلك لايكون إلا عن حب الله تعالى ، وكذلك حب العلماء والأتقياء ، لأن محبوب المحبوب محبوب ، بل إن ما يفعل المحبوب محبوب ، ورسول المحبوب محبوب ، وكل ذلك يرجع الى حب الأصل ، ولا محبوب فى الحقيقة عند ذوى البصائر إلا الله تعالى ، ولا مستحق للمحبة سواه
وإيضاح ذلك يرجع الى أسباب :
أحدها :
أن الإنسان يحب نفسه ، وبقاءه ، وكماله ، ودوام وجوده ، ويكره ضد ذلك من الهلاك و العدم و النقصان ، وهذا جبلة كل حىّ لايتصور أن ينفكّ عنها ، وهذا يقتضى غاية المحبة لله عز وجل ، فإن الإنسان إذا عرف ربه عرف قطعاً أن وجوده ودوامه وكماله من الله ، وأنه المخترع له ، الموجد لذاته بعد أن كان عدماً محضاً لولا فضل الله عليه بإيجاده ، وهو ناقص بعد الوجود لولا فضل الله عليه بالتكميل ، ولذلك قال الحسن البصرى : من عرف ربه أحبه ، ومن عرف الدنيا زهد فيها .
وكطيف يتصور أن يحب الإنسان نفسه ولايحب ربه الذى به قوام نفسه .
السبب الثانى :
أن الإنسان بالطبع يحب من أحسن إليه ولاطفه وواساه ، وانتدب لنصرته وقمع أعدائه ، وأعانه على جميع أغراضه ، فإنه محبوب عنده لا محالة .
وإذا عرف الإنسان حق المعرفة علم أن المحسن إليه هو الله سبحانه وتعالى فقط ، وأنواع إحسانه لايحيط بها حصر كما قال الله تعالى :{ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها }
وقد أشرنا الى طرف من ذلك فى كتاب الشكر ، ولكنا نبين أن الإحسان من الناس غير متصور إلا بالمجاز ، وأن المحسن فى الحقيقة هو الله تعالى .
بيان ذلك أنا نفرض أن شخصاً أنعم عليك بجميع خزائنه وما يملك ، ومكنك فيها لتتصرف كيف شئت ، فإنك تظن أن هذا الإحسان منه ، وهو غلط ، فإنه إنما تم إحسانه بماله وبقدرته على المال ، وبداعيته الباعث له على صرف المال فمن الذى أنعم بخلقه وخلق ماله وخلق إرادته وداعيته ؟ ومن الذى حببك إليه ، وصرف وجهه إليك ، وألقى فى نفسه أن صلاح دينه ودنياه فى الإحسان إليك ولولا ذلك ما أعطاك ، فكأنه صار مقهوراً فى التسليم لايستطيع مخالفته . فالمحسن هو الذى اضطره وسخره لك ، فهو جارٍ مجرى خازن أمير أمره أن يسلم الى الإنسان خلعة خلعها عليه الأمير ، فإن الخازن لايرى محسناً بتسليم خلعة الأمير ، لأنه مضطر الى طاعته ، ولو خلاه الأمير الى نفسه لما سلم ذلك ، وكذلك كل محسن لو خلاه الله الى نفسه لم يبذل حبة من ماله حتى يسلط الله عليه الدواعى ، ويلقى فى نفسه أن حظه فى بذل ذلك فيبذله ، فينبغى للعارف أن لايحب إلا الله ، إذ الإحسان من غيره محال.
السبب الثالث :
أن المحسن فى نفسه وإن لم يصل إليك إحسانه محبوب فى الطباع ، فإنه إذا بلغك عن ملك من الملوك أنه عالم عادل عابد رفيق بالناس ، متلطف بهم وهو فى قطر بعيد فإنك تحبه ، وتجد فى نفسك ميلاً كثيراً إليه ، فهذا حب المحسن من حيث إنه محسن ، فضلاً عن أن يكون محسناً إليك ، وهذا يقتضى حب الله تعالى ، بل يقتضى أن لا يحب غيره ، إلا بحيث أن يتعلق منه بسبب ، فإنه سبحانه هو المحسن الى الكل كافة ، بإيجادهم وتكميلهم بالأعضاء والأسباب التى هى من ضروراتهم وترفيههم الى غير ذلك من النعم التى لا تحصى ، كما قال الله تعالى :{ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } فكيف يكون غيره محسناً ؟ وذلك المحسن حسنة من حسنات قدرته ، فمن عرف هذا لم يحب إلا الله تعالى .
وكذلك نقول : كل من كان متصفاً بالعلم ، أو بالقدرة أو كان متنزهاً عن السيئات الرذيلة ، فإن ذلك يوجب له المحبة ، فصفات الصديقين الذين تحبهم القلوب ترجع الى علمهم بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وشرائع أنبيائه ، والى قدرتهم على إصلاح نفوسهم والى تنزيههم عن الرذائل و الخبائث ، ولمثل هذه الصفات تحب الأنبياء عليهم الصلاة و السلام ، وإذا نسبت هذه الصفات الى صفات الله تعالى ، وجدتها مضمحلة بالنسبة الى صفاته سبحانه وتعالى .
أما العلم ، فإن علم الأولين والآخرين من علم الله تعالى الذى يحيط بالكل ، حتى لايعزب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض ، وقد خاطب الخلق كلهم فقال :
{ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً } .
ولو اجتمع أهل الأرض و السموات على أن يحيطوا بعلم الله وحكمته فى تفصيل خلق نملة ، أو بعوضة ، لم يطَّلِعوا على عشر عشر ذلك ، ولا يحيطون بشىء من علمه إلا بما شاء ، والقدر اليسير الذى علِمه الخلق كلهم ، بتعليمه علومه ففضل علم الله سبحانه على علم الخلائق كلهم خارج عن النهاية ومعلوماته لا نهاية لها .
وأما صفة القدرة ، فهى أيضاً صفة كمال ، فإذا نسبت القدرة الخلق كلهم تالى قدرة الله تعالى ، وجدت أعظم الأشخاص قوة وأوسعهم ملكاً وأقواهم بطشاً وأجمعهم للقدرة على سياسة نفسه وسياسة غيره ، غاية قدرته أن يقدر على بعض صفات نفسه ، وعلى بعض امتحان الإنس فى بعض الأمور ، وهو مع ذلك لا يمكلك لنفسه ضراً ولا نفعاً ، ولا يملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، بل لايقدر على حفظ عينه من العمى ، ولا حفظ لسانه من الخرس ، ولا آذانه من الصمم ، ولا بدنه من المرض ، ولا يقدر على ذرة من ذرات المخلوقات ، وما هو قادر عليه من نفسه وغيره ، فليست قدرته من نفسه ، بل الله خالقه وخالق قدرته وخالق أسبابه و الممكن له من ذلك ، ولو سلط بعوضة على أعظم ملك وأقوى شخص لأهلكته ، فليس للعبد قدرة إلا بتمكين مولاه .
قال الله تعالى فى حق أعظم ملوك الأرض ذى القرنين :
{ إنَّا مكنَّا له فى الأرض } فلم يكن جميع ملكه وسلطانه إلا بتمكين الله تعالى ، فنواصى الخلق جميعهم فى قبضته وقدرته ، إن أهلكهم لم ينقص من ملكه وسلطانه ذرة ، وإن خلق أمثالهم ألف مرة لم يعبأ بخلقه ، فلا قادر إلا هو ، فله الكمال والعظمة و البهاء و الكبرياء و القهر والاستيلاء ، فإن تُصُوِّر أن تحب قادراً لكمال قدرته وعظمته وعلمه فى يستحق ذلك سواه ، ولا يتصور كمال التقديس و التنزيه إلا الله سبحانه فهو الواحد الذى لا ندّ له الفرد الذى لا ضدّ له الصمد الذى لا منازع له ، الغنى الذى لا حاجة له ، القادر الذى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه العالم الذى لايعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء .
وكمال معرفة العارفين الاعتراف ابلعجز عن معرفته ، وهو المستحق لكمال المحبة استحقاقاً لايساهم فيه أصلاً .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لا تدري أين الخير

قال تعالى قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئَاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئَاً ...