من المتضرر من إغلاق مضيق هرمز؟.. “سيناريوهات مخيفة”

تواجه إيران تحديات جدية في مواجهة الاستئناف الوشيك لعقوبات واشنطن بعد تعليقها عام 2015، وسعيها “لتقليص الإيرادات النفطية الإيرانية إلى الصفر” من خلال عدم السماح لطهران بتصدير النفط، ودعوة “الحلفاء” للتوقف عن استيراده بحلول 4 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل “دون أي استثناءات أو تأخير”.

وحظيت الدعوة الأمريكية باستجابة من بعض الدول، والشركات الآسيوية على الرغم من أن الصين لم تعلن رسميًا نيتها التوقف عن شراء النفط الإيراني؛ كما تحدت تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، رسميًا التهديدات الأمريكية بعدم قطع “علاقاتها التجارية مع إيران بناء على أوامر من دول أخرى”، وستستمر في استيراد النفط والغاز من إيران.

وفي مايو/ أيار الماضي، قرر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الانسحاب من “خطة العمل المشتركة الشاملة” (الاتفاق النووي الإيراني) الموقعة بين إيران والدول الخمس الكبرى إضافة إلى ألمانيا عام 2015، وتجديد العقوبات التي سبق أن فرضتها تلك الدول، وعقوبات إضافية أقرتها الإدارة الأمريكية ستدخل حيز التنفيذ في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

وفي سياق الضغط الأمريكي على الدول الحليفة، أُرغمت اليابان على إلغاء زيارة مقررة لرئيس الحكومة إلى إيران في 11 يوليو/ تموز الجاري، والزيارة الملغاة هي الزيارة الأولى لمسؤول ياباني رفيع منذ أربعين عامًا؛ وقررت شركات عملاقة الانسحاب من الاتفاقات المبرمة مع إيران بحلول الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني إلى جانب شركات أوروبية متخصصة بالشحن البحري، وأخرى لمّحت عن نيتها الخروج من إيران.  

ومن برن في سويسرا، صرح الرئيس الإيراني، حسن روحاني، في 2 يوليو/ تموز بأن “منع إيران من تصدير نفطها، يعني أن لا أحد في المنطقة سيتمكن من تصدير نفطه” في إشارة إلى السعودية والإمارات والكويت والعراق، وقطر أيضًا التي تشترك معها في حقل للغاز الطبيعي، وتعتمد في تصديره على مضيق “هرمز”.

واستجابة لدعوة ضمنية صدرت عن الرئيس، حسن روحاني، يدعم “الحرس الثوري” الإيراني بشكل صريح إغلاق مضيق “هرمز”، إذا استجاب شركاء الولايات المتحدة لدعوتها بالتوقف الكلي عن شراء النفط الإيراني.

ووردت تصريحات نشرتها وسائل إعلام إيرانية في هذا الشأن على لسان عدد من قادة “الحرس الثوري”، منهم اللواء محمد علي جعفري، قائد “الحرس الثوري” الإيراني، واللواء قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” المكلف بمهام عمليات “الحرس الثوري” الخاصة الخارجية.

ومضيق “هرمز” ممر بحري ضيق بين إيران وسلطنة عُمان، يصل الخليج العربي بخليج عُمان من جهة، وبحر العرب بالمحيط الهندي من جهة أخرى؛ يبلغ عرضه الأقصى 50 كيلومترًا بعمق 60 مترًا، وعرض ممري الدخول والخروج فيه 10.5 كيلومتر فقط يمر من خلاله ما بين 20 إلى 30 ناقلة نفط يوميًا قادمة من السعودية التي تصدر حوالي 88% من إنتاجها النفطي عبر المضيق، ونسبا أعلى لكلٍ من العراق والإمارت، في حين تصدر الكويت وقطر كل نفطهما عبر المضيق. 

ويستوعب مضيق “هرمز” حركة النفط بحوالي 30 إلى 40% من تجارة النفط عبر البحار في العالم بمعدل يزيد على 17 مليون برميل يوميًا؛ ولا توجد بدائل متاحة عن المضيق لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والعراق لتصدير النفط من موانئ الكويت وقطر والبحرين وبعض الموانئ السعودية والعراق.

وسيؤدي إغلاق مضيق “هرمز” إلى ارتفاع أسعار النفط، والغاز الطبيعي في السوق العالمية وحالة من الاضطراب في الأسواق المالية، ما قد يؤدي إلى انهيار في اقتصادات بعض الدول التي تعتمد في جزء مهم من إيرادتها على المضاربات المالية.

ويشير تقرير “إدارة معلومات الطاقة” الأمريكية الصادر عام 2014 إلى أن إغلاق الممرات البحرية لنقل النفط في الشرق الأوسط، يمكن أن يؤدي إلى زيادات في تكاليف الطاقة الإجمالية وأسعار الطاقة في السوق العالمي”.

هذه المخاوف التي تدركها الصين، دفعت مساعد وزير خارجيتها لإجراء اتصالات مكثفة مع عدد من الدول العربية في إطار بذل المزيد من الجهد، لضمان الاستقرار في الشرق الأوسط وما يحيط بإيران، معلقًا بذلك على تهديدات القيادي في “الحرس الثوري” الإيراني إسماعيل كوثري، بإغلاق مضيق “هرمز” في حال قررت الولايات المتحدة عرقلة تصدير النفط الإيراني.  

وتستورد الصين جزءًا من احتياجاتها النفطية من السعودية والعراق والكويت، إضافة إلى إيران، فيما تمدها دولة قطر بالغاز الطبيعي؛ لذلك فإن أي إغلاق كلي أو جزئي لمضيق “هرمز” ستترتب عليه آثار سلبية على الاقتصاد الصيني.

ويحاول الرئيس الإيراني خلال جولته في عدد من الدول الأوروبية، تأمين شروط أقل صرامة للعقوبات التي تعمل الولايات المتحدة على فرضها بالتنسيق مع الحلفاء، لوقف شراء النفط الإيراني في أعقاب قرار الرئيس الأمريكي الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني؛ وتعد إيران الشريك التجاري السادس والستين للاتحاد الأوروبي بحجم تبادل يزيد على 23 مليار دولار سنويًا.

وتصدر إيران، ثالث أكبر منتج للنفط في منظمة “الدول المصدرة للبترول” (أوبك)، أكثر من 2.28 برميل من النفط الخام يوميًا، حسب بيانات وزارة النفط الإيرانية لشهر يونيو/ حزيران 2018.

ويعتقد روحاني أن جولته الأوروبية ربما تمنع الانهيار الكامل للاتفاق النووي بدعم من الصين وروسيا، وبعض الدول الأوروبية التي قد تتضرر من العقوبات الأمريكية بمنع تصدير النفط الإيراني.

وتوجه إيران، عبر تهديداتها بإغلاق مضيق “هرمز” الحيوي لنقل الطاقة عالميًا، رسائل متعددة الأبعاد للولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، لتعزيز القيادة والسيطرة في الداخل الذي يشهد اضطرابات، واحتجاجات على خلفية الأزمة الاقتصادية؛ جراء تداعيات العقوبات الدولية الصارمة.

وعلى الرغم من أن التهديدات الإيرانية لا تبدو واقعية وقابلة للتنفيذ لاعتبارات كثيرة؛ إلا أنها في كل الأحوال ستؤثر بشكل ما على ثقة مستوردي النفط والغاز الطبيعي في الولايات المتحدة ودول العالم الأخرى التي تعتمد على تأمين مرور الطاقة بشكل آمن ومستقر.

فمن الناحية العسكرية، سيكون بوسع إيران تهديد أمن مضيق “هرمز”، ومنع مرور ناقلات النفط والسفن التجارية من خلاله.

لكن وفقًا للمعطيات، فإن خطوة كهذه ستعد تصعيدًا خطيرًا يهدد مصالح دول العالم، الكبرى منها خصوصًا، التي ستندفع باتخاذ إجراءات مضادة رادعة باستخدام القوات البحرية لفرض تأمين مرور الطاقة أو الدخول في مواجهات عسكرية، تدرك إيران أنها ستكون الطرف الخاسر فيها، ولا يُعتقد أن المخططين الإيرانيين عازمون على المخاطرة في هذه المرحلة التي تعيش فيها أزمات داخلية وإقليمية ودولية.

ويمكن لإيران إغلاق مضيق “هرمز” لفترة زمنية غير معلومة بشن هجمات على سفن عدة بوقت متزامن وإعطابها، لتشكل حاجزًا يعرقل مرور الناقلات الأخرى نظرًا لضيق ممري الدخول والخروج نسبيًا.

غير أنه وفقًا لمعطيات الانتشار الدائم لقوات بحرية من دول عدة، بما فيها الولايات المتحدة، فإن استمرار إغلاق المضيق لن يستمر لأكثر من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع.

ولعل الأهم هو تداعيات ذلك على الأسواق المالية الكبرى في العالم، وعلى سوق النفط العالمي واحتمالات ارتفاع الأسعار بطفرة كبيرة تؤدي إلى إرباك اقتصاد دول العالم؛ وقد تكون إيران المتضرر الأكبر لواقع اقتصادها المتراجع والاضطرابات الداخلية، ما قد يُلجئ إيران إلى الخيار العسكري، لخلق صراعات متعددة في المنطقة كإجراء عقابي للولايات المتحدة والدول الحليفة.

اضف رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يحدث في مصر من كوارث هل يندرج تحت لعنة الدم؟

دماء الشهداء في رابعة والنهضة وجميع ميادين مصر ستظل لعنة تطارد الانقلابيين حتى حتفهم، فقر ...