“بص العصفورة”.. وسيلة الطغاة لشغل المصريين

تواجه الشعوب العربية فى ظل الأنظمة الدكتاتورية، سياسة الإلهاء التي تطبقها تلك الأنظمة، من أجل سلب إرادة المواطنين، وشغلهم عن قضاياهم الرئيسية بمطالب ثانوية، ويعتمد نظام العسكر على هذه السياسية بشكل كبير لإثارة التخويف والتفزيع تارة، وإثارة السخرية والجدل تارة أخرى.

وأول من تبنى هذه النظرية، الزعيم النازي “أدولف هتلر”صاحب المقولة الشهيرة: “إذا أردت السيطرة على الناس أخبرهم أنهم معرّضون للخطر، وحذّرهم من أن أمنهم تحت التهديد… ثم شكّك في وطنية معارضيك”!

افتعال مؤامرات

هذا بالضبط ما ينشره قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي كل حين، من خلال بعض الأحداث المفتعلة أو ضرب المثال بأحوال شعوب عربية منكوبة يشارك السيسي نفسه في نكبتها مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن، لتخويف المواطنين من الثورة ضده، والرضا بسياسة القمع والقتل والاعتقال وغلاء الأسعار التي يقوم بها، ومقارنة سياسته بالأوضاع الخارجية للدول المذكورة، لكي يكون اختيار المواطنين هو الموت الرحيم في سرير المرض او الاعتقال، أفضل من الموت تحت أمطار القنابل الحارقة والبراميل المتفجرة.

ومن بين سياسات العسكر في الحكم، إلهاء الناس بمشاكلهم المعيشية وهموم أرزاقهم حتى تستهلك وقتهم وتستحوذ على تفكيرهم، بحيث لا يبقى لديهم الوقت اللازم للتفكير في غير همومهم الشخصية، وتتعدد مفردات الإلهاء ما بين إعلام فاسد وفن هابط وافتعال مشكلات اقتصادية واجتماعية، بل وفتن طائفية بين نسيج المجتمع، واختراع عدو وهمى لمحاربته.

وبدأت سياسة الإلهاء منذ عهد جمال عبد الناصر، واستفحلت في عهد حسني مبارك، ثم زاد استفحالها في عهد قائد الانقلاب العسكري.

المباريات وسيلة فعالة!

ومن أهم الأمثلة على الإلهاء ما حدث عند غرق العبارة السلام منذ سنوات، حيث ركزت الدولة على حشد عواطف الناس حول كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم، لإلهاء الناس عن هذا الحدث الجلل، والذى راح ضحيته نحو 1400 مصري، وفى مناسبة أخرى انشغل الشعب بمتابعة مباراة مصر وغانا في تصفيات كأس العالم، فى التاسع والعشرين من ديسمبر الماضي، فوجئت الجماهير بعد المباراة بإحالة اتفاقية بيع جزيرتى تيران وصنافير للسعودية لبرلمان العسكر،وتجاهل حكم القضاء الصادر ببطلان التوقيع على الاتفاقية.

ألاعيب شيحة، كان يلجأ لها قائد الانقلاب أيضا مثل لجوء النظام إلى اختيار وزير أو رئيس وزارة أو قائد للجيش، أوشخصية أمنية، ليضحى به ككبش فداء، ليفدي به نفسه وحكمه، في محاولة للهروب من المسؤلية، وإلقاء التبعة على الشخص المعزول، وعادة ما يتخذ هذا الإجراء عقب هزيمة عسكرية أو فضيحة سياسية أو تقصير أمني أو اقتصادي أو اجتماعي، فيلجأ الحاكم إلى التخفيف من سخط الرأي العام عليه بأن يُلصق تهمة التقصير بهذا الشخص المعزول، والإعلام فى حالة جاهزية لسن السكاكين للضحية.

واعتمد نظام الانقلاب على سياسة الإلهاء لتحويل نظر المواطنين عن قضايا هامة، مثل استيراد الغاز، والإعتداء على هشام جنينة ، واعتقاله بعد حديثه عن وثائق عنان، ومن قبله اعتقال الفريق سامى عنان، والتنازل عن حصة مصر التاريخية فى مياه النيل ،والتنازل عن جزيرتى تيران وصنافير للسعودية،وافراغ سيناء من أهلها بزعم محاربة الإرهاب، تمهيداً لصفقة القرن.

إلهاء ديني

ومن بين صور الإلهاء حول ثوابت تاريخية ودينية، حيث اعتمد نظام الانقلاب على الكاتب يوسف زيدان، في العديد من المناوشات والمناظرات الكلامية، مع الأزهريين والمؤرخين؛ بسبب خروج زيدان بالعديد من التصريحات الشائكة، دخل بسببها في صراع مع هذه الفئات وتسبب الإعلام في تفاقم تلك الأزمة بسبب التناول المتكرر لهذه الوقائع.

كانت البداية، بعد تصريح زيدان بشأن التاريخ الخاص بـ”أحمد عرابي”، والذي شكك فيها بدور “عرابي” الوطني، ونفى واقعة وقوفه وصموده أمام “الخديوي توفيق” في مظاهرة سبتمبر 1881، التي قال فيها عبارته الشهيرة للخديوي: “إنا لن نورث بعد اليوم”، ثم الأزمة الأخرى مع الأزهريين، بأن حكم شرب النبيذ عند المذهب الحنفي حلالٌ ولا شيء فيه، ولكن المذهب الشافعي يحرّمه، مشيرًا إلى الأزهر الشريف يتبنى المذاهب الأربعة، والحرام يختلف وفق الاتجاهات المذهبية بالدين، وتابع: “النبيذ عند الأحناف حلال بينما محرّم عند الشافعية”، مؤكدًا أن المذهب الرسمي للدولة المصرية “حنفي” بينما مذهبها الفعلي “شافعي”، ثم نكران المسجد الأقصى.

إلهاء المخلوع

وكان حسني مبارك أول من اعتمد على سياسة الإلهاء في الأزمات السياسية والاقتصادية، التي أوصلت الشعب المصري للانفجار في ثورة الـ25 من يناير، بعد 30 عامًا من حكمه، فخلال هذه السنوات وقع الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في العديد من الأزمات السياسية التي وقف أمامها الشعب المصري إما صامتًا أو ناسيًا لها، منها حادثة فتاة العتبة، يث قام ثلاثة شباب باغتصاب فتاة بميدان العتبة في مارس في عام 1992 تحديدًا، بعد أن تم تجريدها من ملابسها أمام المارة دون تدخل.

وسرعان ما قام أحد الجنود المكلفين بتأمين المنطقة بالتدخل لوقف هذه الجريمة والقبض على الشباب المشاركين في هذه الواقعة، حيث أحدثت ضجة إعلامية كبرى، وأدت إلى إخفاء العديد من الأزمات السياسية التي وقع فيها مبارك في ذلك الحين، ولكن دون جدوى حيث حكم ببراءة هؤلاء الشباب.

عبدة الشيطان

ومنها أيضا قضية “عبدة الشيطان”، حيث ظهر مجموعة من الشبان بتهمة الانتماء إلى فكر منحرف وممارسة الرذائل وازدراء الأديان السماوية بعدما ألقت القبض عليهم متلبسين يمارسون شعائرهم على يخت في نهر النيل في عام 2001 في قضية أخرى بعد القضية السابقة.

وهناك التوربيني رمضان عبدالرحيم منصور، وهو الشاب الذي قام بقتل واغتصاب ما يزيد عن ثلاثين طفلًا، بمشاركة عدد من الأشخاص الذين يساعدونه في الوصول إلى الأطفال وخطفهم.

وأيضا تصريحات وزيرة الصحة بحكومة الانقلاب التي قررت إذاعة النشيد الوطني قبل بدء العمل في المستشفيات، ليبدو الأمر كأن هناك إدارة خاصة في الحكومة تستيقظ مبكراً جداً، قبل أن يصحو الناس، لتضع برنامج أعمال البكاء والضحك اليومي للمصريين، وترجّهم رجّاً شديداً في وعاء ضخم، تختلط فيه مواد الرعب مع منتجات الضحك الهستيري.

ليصبح هذا هو المناخ الذي يريده الانقلاب فلا يفكّر في أبعد مما تريده السلطة، فتحت غيوم الثرثرة، لا مجال للنظر في مسائل أخرى، فتستمر مقصلة الإعدامات في العمل، وتواصل آلة الوحشية البوليسية إنتاجها، فلا يتوقف أحدٌ، أو يرى في الأمر ما يستحق الغضب.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بسبب ارتفاع الأسعار.. هياكل الدواجن بدل اللحوم على موائد المصريين

كشفت تقارير صحفية عن تحول هياكل الدواجن وعظامها إلى غذاء رئيسي على موائد المصريين، في ...