لماذا حرم العسكر مصر أن تصبح مثل كوريا واليابان؟

منذ الأيام الأولى التي أعقبت انقلاب السفيه عبد الفتاح السيسي على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، محمد مرسي، بدأ دعم خليجي هائل يتدفّق عليه، في صورة منح نقدية وودائع بالبنك المركزي، واستثمارات مباشرة لدعم قطاع السياحة وقناة السويس بالإضافة إلى توفير احتياجات القاهرة من المواد البترولية لسنوات.

ورغم ضخامة هذه المساعدات التي لا تقل عن 47.5 مليار دولار فلم يظهر لها أثر ملموس في الأحوال المعيشية للمصريين، بل حدث العكس تمامًا، فقد تراجع الجنيه المصري إلى مستويات قياسية وزادت معدلات الفقر والبطالة، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني، واستمر تراجع احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي، ما يدل على أنها لم تذهب إلى حيث كان يجب أن تذهب.

سياسة تجويع

وتداول النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقطعا مسجلا لأحد المواطنين يصف السفيه السيسي بـ “المتخلف عقليا” و”الفاشل” عقب إخفاق الأخير في إنقاذ البلاد من الأزمة الاقتصادية، قائلا: “حكم العسكري بيقول “سياسة تجويع” عشان أعرف أحكم البلد دي -حسب دماغهم- لازم أخلي المصري دي جعان متخلف مش متعلم، مريض عشان أقدر أسيطر عليه، من أول ما اتوجدوا في سنة 52 وهما كده مش هيتخرجوا، هتجيبي واحد خريج حربية، لا درس اقتصاد ولا درس حاجة زي أستاذ في الجامعة”.

وقال: “المرحلة الجاية لو استمرت بهذه الصورة هتحصل ثورة جياع أكيد، الشعب مش هيقدر، أنا مثلا مستور غيري لأ، يعني مثلًا أنا كنت بدي للفقير دلوقتي مش قادر، الطبقة المتوسطة هي اللي كانت بتدي للفقير لكن دلوقتي الطبقة المتوسطة قربت تنمحي خلاص”.

القهر أصبح شائعا

علقت صحيفة “واشنطن بوست” في افتتاحيتها على الوضع الحالي في مصر تحت انقلاب السفيه السيسي، بالقول إن “الاختفاء والتعذيب والقتل الفوري دون محاكمة أصبحت، وبشكل صادم، أمورا شائعة في حكم السيسي”، وبالعودة للوراء قليلا ومع بداية انقلاب جمال عبد الناصر كانت القاهرة في الستينات، تلقب بباريس الثانية وقطعة من أوروبا، كانت شوارعها تنظف بالماء، وكان يضرب بها المثل في الجمال والعلم والتحضر، حتى إن من زار القاهرة أو درس في جامعتها حينذاك، كان يحدث قومه إذا رجع متفاخرا متباهيا بذلك، وقبل ذلك وتحديدا في عهد محمد علي كانت اليابان على سبيل المثال ترسل بعثات علمية إلى مصر لتعلم شبابها فنون الصناعة وأساليب تطوير الدولة.

وفي ذلك الوقت كان المواطن الماليزي لا يعرف سوى زراعة الموز والأناناس وصيد السمك، فضلا عن ضعف موارد ماليزيا والجهل والتخلف والصراعات الدينية بين نحو 18 ديانة، ولم تكن كوريا بأحسن منها حالا، فقد عانت من دمار شامل إثر الحرب العالمية الثانية ناهيك عن حرب أهلية دامت خمس سنوات وخلفت 5 ملايين قتيل، ثم انقسامها لدولتين، لدرجة أن أحد الباحثين الغربيين وهو “دوجلاس ماكرثر” قال إنه لا أمل في أن تعود كوريا كدولة ولو بعد 100 سنة!

السيسي الفاشل

وصف خليل العناني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة “جونز هوبكنز” الأمريكية، السفيه السيسي بالفاشل، وقال “العناني” في تغريدة له عبر حسابه على موقع “تويتر”، رصدتها “الحرية والعدالة” : “الجنرال الفاشل لا يزال يمارس أكاذيبه ولا يزال البعض يصدقه”.

ويقال في الأثر التاريخي، إن سنغافورة في تلك الفترة أيضا كانت بلدا في قمة التخلف، ويحكى ليكوانيو، صاحب الفضل في نهضة سنغافورة، في مذكراته، أنه طلب العون والمساعدة من جمال عبدالناصر لانتشال بلاده من مستنقعات الفقر والجهل والتخلف، إلا أن ناصر رفض، لكون سنغافورة بلدا صغيرًا ضعيفا لا جدوى من مساعدته قبل أن تستخدم تلك الدولة المتخلفة كلمة السر لتصبح إحدى دول النمور الأسيوية التي لن ندركها ولو بعد 100 عام.

الإحصاءات تشير إلى أن تلك الدول السابق ذكرها، لو قررت ألا تعمل نهائيا فإن مصر تحتاج من 80 إلى 90 سنة للحاق بركبهم، إلا أننا عمدنا إلى منطق الاستسلام للواقع والركون لما تحقق، وهو ما يتجلى في جملة بدأت جدا وانتهت هزلا، يرددها إعلام الانقلاب وهي جملة «أفضل من سوريا والعراق»، التي جسدت واقعا مؤسفا تعيشه مصر، قبل أن تصبح الآن مثالا للسخرية من الوضع المأساوي على كل الأصعدة.

العسكر منع التطور

والسؤال المهم الآن، لماذا منع العسكر مصر أن تكون مثل هذه الدول التي لحقتنا وسبقتنا بمئات السنوات؟، لأنهم ببساطة مكلفون من القوى الدولية التي تدعمهم بتحويل مصر إلى دولة فاشلة أو شبه دولة كما قال السفيه السيسي، وجعلها أسوأ حالا من سوريا والعراق والصومال وليبيا، وتشاد والنيجر ومالاوي وجزر القمر وغيرها الكثير من الدول التي تطفح عجزا ماليا وفقرا وجهلا وبطالة، ولجأ إعلام الانقلاب لمقارنة حال المصريين بمن هم دونهم، فكلما أبدى المصريون استيائهم من شئ ما، قالوا لهم “احمد الله.. مش أحسن من سوريا والعراق”!

الفاشل مثل السفيه السيسي من يقارن نفسه بمن هم دونه، والعاجز مثل العسكر من يظن أنه بهذا الحال خير من غيره ممن لم يبلغوا ما بلغ، وبدلا من أن ينظر لمن سبق، ويجتهد حتى يدركه، تراه ينظر لمن خلفه، ويردد “هذا أفضل حالا من لا شئ”، ولا تختلف أوضاع الأمم عن كرة القدم والتي فيها الهجوم خير وسيلة للدفاع، ويلعب العسكر دائماً على الهزيمة، بدلا من السعي والطموح واللعب على الفوز، إلا أن المشكلة الآن أن مصر غرقت في الديون والفقر وتخريب التعليم والصحة والقضاء وانهار الاقتصاد.

العسكر دائما يرجعون إلى الخلف، بينما أمام المصريين الآن دول وصلت للمريخ ولم تكتف بذلك، لأنها توقن تماما أن الديمقراطية والشرعية هما صمام الأمان والحل، وأن القمع والديكتاتورية كفيل بأن تهوي بمصر من الطريق نحو القمة التي سعت نحو بلوغها في ثورة 25 يناير، فقط يحتاج المصريون أن يتحرروا من الخوف، لأن البقاء تحت حكم العسكر وتصديق وعودهم التي لا تسمن ولا تغني من جوع، لن تسير بالمصريين على خطى تلك الشعوب التي اتخذت من الإرادة والعزيمة كلمة سر لنهضتها.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

#مشابك_الغسيل.. ونشطاء: الانقلاب قوة عظمى على مستوى البلكونات

بمجرد أن أعلن محافظ الإسماعيلية اللواء حمدي عثمان، عن إقامة وتشغيل مصنع لتصنيع مشابك غسيل ...