عبد الرحمن يوسف يكتب : اغتيال الاعتدال!

تصرّ أنظمة الغلمان العربية، وعلى رأسها مصر والسعودية والإمارات، على أنها تحارب الإرهاب، والحقيقة أن هذه الأنظمة الغلمانية لا همّ لها إلا محاربة الاعتدال.

الإرهاب له بيئة حاضنة، وهذه الأنظمة تتفنن في خلق تلك البيئة التي تضمن استمرار توليد الإرهاب وتكاثره بشتى أشكال الولادة والانقسام والتفقيس!

إنها أنظمة تبرر وجودها كله بمحاربة الإرهاب، فهي لا تملك مشروع تنمية، أو استقلالا وطنيا، وينتفي أساس وجودها وبقائها إذا انتهت الظاهرة، وبالتالي… تتعمد هذه الأنظمة خلق الإرهاب ورعايته ونشره وترويجه وتزيينه للشباب.

ولكن… كيف ذلك؟

* * *

إن الوسيلة الأولى لنشر الإرهاب في نظر تلك الأنظمة الإرهابية المجرمة هي القضاء على الاعتدال والمعتدلين، ولست أرى اغتيال الكاتب المستقل، شهيد الكلمة المسؤولة الحرة جمال خاشقجي، إلا أوضح شكل من أشكال اغتيال الاعتدال.

اغتيال الاعتدال تمارسه أنظمة الغلمان في اليمن يوميا، بالقنابل الذكية المزعومة، وبالكوليرا، والمجاعة، والإذلال.

اغتيال الاعتدال يتم كل دقيقة في سجون مصر الرسمية، وفي سجونها الحربية، وسجونها السرية التي لا يعلم عنها أحد.

اغتيال الاعتدال يتم كل يوم في السجون السرية لدولة المؤامرات العربية داخل الإمارات وخارجها… في اليمن والصومال ومالي وغيرها.

اغتيال الاعتدال يتم كل ثانية في حملات إعلامية مستمرة منذ بدأ الربيع العربي، حملات تشوه كل شخص معتدل، وهي تركز على المعتدلين أيا كان انتماؤهم، فالمتطرفون ليسوا الخطر الذي يهدد تلك الدول، بل من يهددها هو من يمثل بديلا حقيقيا، وهم المعتدلون (من كل التيارات).

* * *

اغتيال الشهيد جمال خاشقجي تم في القنصلية السعودية يقينا؛ لأنه دخل القنصلية بلا شك، وباعتراف السعوديين أنفسهم، ولا أحد يستطيع أن يثبت أنه خرج على رجليه، في زمن كل شيء فيه مسجل بالصوت والصورة.

أما مسألة تصريح المسؤول السعودي الذي يقول إن كاميرات القنصلية “لا تعمل”، فهو تصريح يقول “نحن قتلنا خاشقجي، ولن نسلم المجتمع الدولي دليل إدانتنا من كاميراتنا، وأعلى ما في خيلكم اركبوه”.

* * *

قد يسأل سائل (عبيط أو يستعبط) لماذا تسيئون الظن في النظام السعودي؟

والإجابة سهلة وحاضرة… ألم يتم اختطاف السيد سعد الحريري رئيس وزراء لبنان وهو في زيارة رسمية للرياض؟ ألم يتم ضربه وإهانته لكي يخضع لطلبات السعودية (حتى إذا أنكر أنه ضُرِبَ)؟ ألم يعلن استقالته من الرياض بالفعل؟ ألم يثبت بعد ذلك أنه قد أجبر على الاستقالة؟ ألم يتم احتجاز أسرته رهينة بعد خروجه؟ ألم يتم كل ذلك أمام عيون العالم كله؟ ألم يكن المخطط جاهزا للتنفيذ لآخره بإشعال الفتنة في لبنان لولا التدخل الفرنسي الحاسم ووقوف اللبنانيين في وجه الغلام؟

هذه الأسئلة كلها إجابتها تقول: إن من السذاجة أن نحسن الظن في نظام الغلمان القائم في أرض الحجاز، فهو نظام يسيره غلام أهوج، يملك من الحماقة ما يدفعه إلى توريط بلاده في حرب في اليمن تكلف يوميا عشرات الملايين من الدولارات، واحتجاز رئيس وزراء في زيارة رسمية، واحتجاز كبار الأسرة المالكة كلها في فندق ريتز كارلتون وتجريدهم من ممتلكاتهم… وبالتالي… من يملك حماقة ارتكاب كل هذه الجرائم ليس ببعيد عليه أن يقتل رجلا عاقلا كجمال خاشقجي… لا لشيء سوى لأنه ارتكب الجريمة الكبرى… جريمة الاعتدال!

* * *

سيحاول الكثيرون إلصاق الجريمة بالدولة التركية، والحقيقة أن تركيا في ورطة قانونية وأخلاقية!
لقد حاولت تركيا بشتى الطرق أن تتجنب الاحتكاك أو الاشتباك مع غلمان العرب، وسكتت على جرائم كبرى ارتكبت في حق الدولة التركية (أهمها دور الغلمان في الانقلاب الفاشل عام 2016)، ولكن كل ذلك بلا فائدة!

إن سكوت أجهزة الأمن التركية عما حدث سيستغله المجرمون الحقيقيون في إلصاق التهمة بها، ولا تملك تركيا سوى أن تبرئ ساحتها بإظهار الحقيقة، وهو ما يعني الصدام المباشر مع نظام الغلمان في الحجاز.

* * *

ما زلت أتخيل شكل المسؤول السفيه وهو يتلقى خبر اغتيال الشهيد جمال خاشقجي، يضحك ضحكته الحمقاء التي طالما نغص بها نهاراتنا، لقد ظن أنه انتصر.. لا بد أنه ألقى عدة نكات في حاشيته متهكما، ثم انتفخ في جلسته مظهرا سطوته وقدرته… هل تم تصوير الجريمة؟ هل أرسلوا له تصويرا حيا لعملية التعذيب؟ ثم عملية التصفية؟

ما زلت أتخيله يضحك من ألم الشهيد… وما هو إلا غلام حقير، يشتمه “ترامب” ويشتم أباه علنا في خطابات متتالية، ولا يجرؤ سوى على ابتلاع الإهانات وكأنه عبد في حقل!

ما زلت أتخيل مشهد دخول الشهيد إلى قنصلية بلاده، وكيف اكتشف الفخ، وكيف قال للفريق الذي حضر خصيصا لاغتياله “لماذا؟”!

لقد اكتشف أن حب الوطن في عصر الغلمان جريمة… والجريمة الأكبر هي أن تكون معتدلا في عصر المتطرفين… أن تتمسك باعتدالك أمام أنظمة إرهابية لا تقبل منك إلا أن تكون صعلوكا مؤيدا لإرهابهم.

ما زلت أتخيل لحظاته الأخيرة… كلي ثقة أنه كان مبتسما… مسلما أمره لله… يغمض عينيه متأملا صور أحبابه وهم يلوحون له بالسلام مبتسمين… وهو يعدهم بلقاء في عالم أفضل.

* * *

إن جميع المعارضين لأنظمة الاستبداد العربية الغلمانية في داخل حدود تلك الدول أو خارجها في خطر كبير، وهذه الجريمة النكراء ليست سوى تأكيد لما هو أكيد، وهناك غالبية كبيرة من المعارضين لا تحسن استقبال الرسائل رغم وضوحها… أتمنى أن تكون هذه الرسالة واضحة بما يكفي، وأن يتحرك الجميع طبقا لما تمليه المصلحة الوطنية، وأن يجتمع المتفرقون على كلمة سواء… إن لم يكن خشية ضياع الوطن… فخشية ضياع حياتهم باغتيال في جنح الليل أو في عز الظهيرة!

* * *

سيظن بعض أبنائنا الشباب بعد جريمة اغتيال خاشقجي أن مقاومة تلك الأنظمة لا يمكن أن تنجح إلا بالعنف، والحقيقة أن مقاومة إرهاب أنظمة الغلمان التي تغتال الاعتدال تكون بمزيد من الاعتدال، فالظلام لا يقتله الظلام، بل يقتله النور… ولا شيء غير النور!

اضف رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جمال خاشقجي يتحدث للقاضي وليد شرابي عن الرئيس مرسي و الاخوان المسلمون

جمعني لقاء منذ أشهر قليلة بجمال خاقشجي وحديث هادئ تحدثنا في أمور عدة وأردت أن ...