خاشقجي.. جريمة التريليون دولار

احسب كلفة الاغتيال السافل للشهيد جمال خاشقجي على الدولة السعودية، والمواطن السعودي، ستكتشف أن نحو تريليون دولار دفعت حتى الآن لتأمين عرش أمير شابٍ طامحٍ في الملك.

لم تبدأ الجريمة في القنصلية السعودية في اسطنبول، بل تعود بدايتها إلى سنواتٍ مضت، منذ قررت السعودية الشروع في قتل ثورات الربيع العربي، واحدة تلو الأخرى، فأنفقت مليارات الدولارات على قتلة ثوراتٍ، وسافكي دماء شعوب، منذ كان ولي العهد الحالي في الظل.

عرف محمد بن سلمان أن الطريق إلى الحكم يمر عبر البوابتين، الصهيونية والأميركية، فقرّر أن يصادق ويتحالف مع كل الذين تفضلهم إسرائيل حكامًا، ثم طرق باب دونالد ترامب مبكرًا جدًا، وقبل أن يصبح رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية. وهو في ذلك، بالطبع، لم يكن منطلقًا من فراسةٍ سياسيةٍ، أو مهارةٍ في قراءة المستقبل، بل كان يتحرّك تبعًا لكتالوغ اليمين الصهيوني المتحكم في مستقبل البيت الأبيض، فكان أن حجز موقعه مبكرًا في عربة ترامب الطائشة.

اصطفاه ترامب حاكمًا صاعدًا، منذ سافر إليه بن سلمان في معمعة الانتخابات، قبل ما يقرب من ثلاث سنوات، ووعده بالتمكين، فكان الثمن فادحًا من دم ولحم المواطن السعودي والعربي، ليأتي موعد سداد أولى الفواتير 460 مليار دولار حصيلة زيارة العم ترامب والعائلة إلى الرياض، شفطها ثم طار مباشرة إلى الكيان الصهيوني، فارضًا باكورة التطبيع الجوي، ليهبط عند حائط المبكى، تاركًا بن سلمان، وأصدقاءه، يلهون ببلورة سحرية، أطلقوا عليها “اعتدال” كانت بمثابة ضربة المنشار الأولى في جسد جمال خاشقجي، وأي خاشقجي آخر، يرى المتوثب للعرش أنه من المحتمل أن يمثل عقبةً أو إزعاجًا لأحلامه وطموحاته.

بعد ذلك، كانت حكاية جزيرتي تيران وصنافير، ثم مشروع نيوم، لتنطلق صيحات الفرح في الكيان الصهيوني، احتفالًا بنسف كل العقبات في طريق التطبيع الشامل، ويصبح وجود صحافي صهيوني في الحرم النبوي الشريف شيئًا عاديًا أو خطأ في إجراءات تأشيرات الدخول، بينما المنتمون إلى الربيع العربي يجري اعتقالهم وتسليمهم إلى جلاديهم بملابس الإحرام، إن نجحوا في الدخول إلى أرض الحرمين، أو يحرمون من أداء المناسك.

على أن الفواتير الأضخم بدأ سدادها عقب عملية القتل المروّع للشهيد جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده في اسطنبول، وعلى أيدي رجال ولي العهد السعودي، وتحت إشرافه المباشر، لندخل في مرحلةٍ متطورة من حلب ثروات السعودية، فيعلن ترامب عن نحو نصف تريليون دولار أخرى، صفقات تجارية وعسكرية واستثمارات، ثم تجد السعودية نفسها مضطرّة أخرى إلى شراء تذكرة ذهاب وعودة لولي عهدها الذي لم يستطع إثبات براءته من جريمة خاشقجي، إلى قمة العشرين، فيوزّع المليارات في كل أرضٍ تهبط بها طائرته، شراء لمصافحات ولقطات مصورة مع رؤساء دول، جلهم من شركائه في المنهج الدموي للحكم، وسط مشاعر شعبية متأججة بالغضب والرفض، استطاعت التعبير عن نفسها في تونس، وأجهضت في القاهرة.

بالطبع، تستطيع القول إنه كان بالإمكان أن يصل بن سلمان إلى السلطة من دون قتل وسفك دماء، وخصوصًا أنه لا توجد في السعودية معارضة سياسية من أي نوع، فضلًا عن أنه قتل المعارضة القبلية ودفنها مبكرًا في “ريتز كارلتون”، وصادر ثرواتها، فلماذا هذا التوحش في القتل وإراقة الدماء على هذا النحو؟.

الحاصل أن كل الطغاة الجدد في الوطن العربي مسكونون بالفزع من كل صوتٍ مختلف، معارضًا كان، أم ليس مؤيدًا وموافقًا ومصفقًا بالقدر الكافي، إذ يشعر كل هؤلاء في أعماقهم بأن الكيان الصهيوني بات مصدر السلطات، على من أرادها أن يفعل كل ما يحقق أحلام الصهاينة في التخلص من كل يهدد مشروعه في الهيمنة على الشرق الأوسط، ومن ثم يكون الانتقام، على هذا النحو القنصلي الرابعاوي الحلبي اليماني، من أية مصادر محتملة للتأثير في الرأي العام العربي، الذي هو العدو الأول لإسرائيل، كما قال بنيامين نتنياهو، فضلًا عن يقينٍ مستقر لدي كل الطغاة بأنه ما دامت إسرائيل سعيدة فكل جريمة مبرّرة.. حتى لو كانت كلفتها ما يقرب من تريليون دولار.

نقلا عن “العربي الجديد”

اضف رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ربيعنا العربي وشتاؤهم الفرنسي

لم يكن ما جرى في باريس، طوال الأسبوع الماضي، ثورة، حتى نتمدد فوق الأرائك، ونستدعي ثورات ...