وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ

الحمد لله ، وصلاةً وسلاماً علي سيدنا محمد رسول الله …. وبعد…

أيها الأحبة في الله :-

إن للشهادة شأناً عظيماً في جميع المعاملات ، فالشهادة في النكاح شرطاً من شروط صحته ، فلا يصح النكاح إلا بشهادة عدلين ، وإذا أراد المرء أن يراجع زوجته بعد طلاقها عليه أن يُشهد علي ذلك، ، فأقيموا الشهادة لله ولا تفرطوا فيها، لا تتهاونوا بالأمر، فإنه ربما ينكر من عليه حق إما نسيانا وإما ظلما، والشهادة تحفظ الحقوق لكم، لا تهملوها ولا تفرطوا فيها، لا سيما في الأمور التي تثبت في الذمة، فإن الله – تعالى – يقول : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)) [البقرة: 282] وقال تعالى: ((وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا)) إلى قوله تعالى: ((وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ)) [البقرة: 282-283].

 

ومن علامات الساعة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم أن تكثر شهادة الزور ويكثر كتمان الشهادة ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :”إن بين يدي الساعة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق“.

وشهادة الزور هي الكذب المتعمد في الشهادة لإبطال الحق وكذلك كتمان الشهادة لإبطال الحق وهذه العلامات قد وقعت الآن بمثل ما أخبر الصادق صلى الله عليه وسلم كثرت شهادة الزور وقلت الشهادة لإظهار الحق وكتمت .

 

ففي الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ” ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ ” قالوا : بلى يا رسول الله قال عليه الصلاة والسلام : ” الإشراك بالله وعقوق الوالدين ” وكان متكئا – بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم – فجلس ثم قال : ” ألا وشهادة الزور ألا وشهادة الزور ألا وشهادة الزور ” فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت صلى الله عليه وسلم .

 

شهادة الزور كبيرة وخطيرة فشهادة الزور هي الكذب المتعمد وتستطيع الآن بعشرة جنيهات أو بمائة جنيه أو بألف جنيه بحسب حجم الشهادة وخطر القضية ، تستطيع أن تستأجر بهذا المبلغ رجلا ممن ينتسبون إلى الإسلام أمام محكمة من المحاكم ليقف أمام القاضي ليشهد زور وهو يعلم يقيناً أنه كاذب،يقسم بالعظيم أنه سيقول الحق وبعد هذه الشهادة وهذا القسم يكذب وهو يعلم يقينا أنه كذاب وهذا اليمين الغموس الذي يغمس صاحبه في نار جهنم أن يكذب الرجل وأن يقسم بالله جل وعلا أنه صادق هذا هو اليمين الغموس الذي يغمس صاحبه في النار والعياذ بالله .

 

فمثل هذا يبيع دينه بسبب حفنة من الجنيهات أو من أجل مجاملة كاذبة حقيرة ، ليتقدم هذا الشاهد ليقف بين يدي القاضي ليكذب متعمداً على الله جل وعلا هذه كبيرة من أخطر وأخبث الكبائر وقد استشرت وانتشرت الآن كعلامة من العلامات التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام ولخطر هذه الشهادة – شهادة الزور وكتمان شهادة الحق – قرنها النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك بالله ، وبعقوق الوالدين ” ألا أنبئكم بأكبر الكبائر : الإشراك بالله وعقوق الوالدين ” ثم ذكر ألا وشهادة الزور ألا وشهادة الزور ألا وشهادة الزور .

 

والله تبارك يقول في كتمان شهادة الحق ((وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)) (البقرة/283) إن دعيت إلى الشهادة فاشهد بالحق ولا تكتم الشهادة ، وإن كتمت الشهادة فإن كتمان الشهادة دليل على ضعف الإيمان في القلب وضعف اليقين في القلب ((وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)) .

 

وأقول لكم بكل أمانة : ما أوقعنا في هذا الواقع المزري المر الأليم إلا بسبب كتمان شهادة الحق فلو أن كل مسلم من المسلمين الآن شهد شهادة حق لبدل الله وغير الله هذا الواقع ، لكن هذا يجامل ، وهذا يجامل ، فيضيع الحق بين هذه المجاملات الكاذبة على حساب الحق أو على حساب دين الله جل وعلا .

 

وأنا أرجو أن ننظر إلى كتمان شهادة الحق نظرة شاملة واسعة إذ أن شهادة الحق لا تقتصر على مجرد أن تكون شاهداً في قضية من القضايا ، أو في محكمة من المحاكم ، بل إنها الخيانة الكبرى أن ترى المنكر وأنت تعلم أنه منكر ، ولا تشهد شهادة الحق ، من الخيانة الكبرى أن ترى الشرك الغليظ وأن تسمع كلماته الخبيثة ، وأن ترى أفعاله الشنيعة وأن تكتم شهادة الحق التي تعلمها من قرآن ربك ومن سنة نبيك ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) (الأنفال/27 )، ((وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)) (البقرة/283) من يكتم شهادة الحق فإنه آثم قلبه

 

إن رأيت شركاً فذكر وحذر، إن رأيت ظلماً فذكر وحذر، إن رأيت المعصية فذكر وحذر ، هذه وظيفتك لكن لا تكتم شهادة الحق أبدا أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من الصادقين ممن لا يبيعون دينهم بعرض من الدنيا حقير.

 

أخرج الإمام مسلم في كتاب الإيمان ، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم» أي: تقدموا بالأعمال الصالحة بين يدي الفتن التي ستكون كقطع الليل المظلم «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا“. وعند الترمذي ، وأحمد في المسند ، وابن حبان في صحيحه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : ” تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ , وَيُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا ، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا ، يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا“.

 

ها نحن الآن نرى صدق كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، فكم من أناس يبيعون دينهم، بعرض من الدنيا حقير، من أجل كرسي في مجلس الشعب، أو كرسي في مجلس شورى، أو كرسي في منصب من المناصب، أو وظيفة من الوظائف، ربما لا يتورع الرجل أن يكذب، وأن ينافق وأن يخادع، وأن يماليء ، بل وأن ينفق كل ما يملك، للوصول لهذه الغاية فإذا ما وصل إلى الغاية التي أراد تنكر لمعظم وعوده إن لم أقل: لكل وعوده التي وعد الناس بها.

فالناخب يكذب على ناخبيه، المرشح يكذب على ناخبيه، والحاكم يكذب على محكوميه، والعالِم – إلا من رحم ربي – قد يكذب في فتواه فيزور الفتاوى لذوي السلطان، وهكذا – “بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً، ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا“.

 

ولذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من فتنة الدنيا كما في الصحيحين من حديث عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم».

 

((وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)) (البقرة/283). يشهد شهادة زور بعرض من الدنيا فيبيع بها الدين يكتم شهادة الحق لعرض من أعراض الدنيا.

 

ولا شك أيها الإخوة أن أمتنا ومصرنا الحبيبة تمر بأزمة لا يعلمها إلا الله وتمر بمرحلة هي من أصعب مراحلها فواجب علينا أن نُشارك في خدمتها بكل السبل. فإن الآفة التي أصابت الأمة حتى العقلاء الفاهمين منها هي آفة أنه وَاقف إلى أن يُؤمَر ، سلبيٌ إلى أن يُحرَّك ، ينتظر مَن يقول له افعل أو لا تفعل ، وفي هذا كأنما احتقر عظيمًا وهبه الله إياه ، فعطَّل في نفسه الذاتية والإيجابية والتفكير في مصير الأمة وعطَّل في نفسه معنى المشاركة واحتقر في نفسه على أن يُصلح ما يستطيع إصلاحَه دون أن يأتيه أمر بإصلاحه. إن الأمة الآن تمر بمرحلة عصيبة على المستوى الداخلي والخارجي، بين أعداء من الخارج يَتكالبون عليها لتمزيقها وبين أعوانٍ من الداخل يساعدونهم لتحقيق أهدافهم الخبيثة، بينما أبناء الأمة في سُبَاتٍ ونومٍ عميقٍ، يحتاجون إلى مَن يُنبِّههم ويُوقظ فيهم معنى الإيجابية .

 

الإيجابية تعني الاستجابة والتلبية والطاعة والمسارعة إلى الخير ومنها قول الحق ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)) (الأنفال: 24) ، وعندما أسمع أن الله ينادي عباده استجيبوا فإني أجد أن الاستجابة لنداء الله واجبةٌ وأن أحدًا ممن يسمع كلام الله استجابوا غير معذور إذا لم يستجب بل إنه إذا لم يستجب مع أنه قادر على أن يستجيب أصبح عاصيًا لله تبارك وتعالى وتلبُّسه بالمعصية نكوصًا وإحجامًا يجعله موضع غضب الله تبارك وتعالى ونقمته فالاستجابة إذًا ضرورةٌ شرعيةٌ وهي أيضًا ضرورة حياتية لا يمكن أن تستقيم الحياة بدونها.

 

لكننا نجد أن الإيجابية التي هي الحياة والتي هي المبادرة إلى الخير والمسارعة إليه نجدها ضعيفةً في أبناء زماننا هذا وفي بعض الأحيان نجدها منعدمةً ونرى الحق ينبلج أمام الأعين ولا نرى من يجاوبه أو من ينهض إليه أو من ينصره وهذا نوع من السلب والنكوص والإحجام يكرهه الله تبارك وتعالى.

 

ما سبب تلك السلبية التي ضربت كل الناس حتى أصابتهم بحالةٍ من التخلف والتبلد؟!

هذا ما سنتعرف عليه في المقالة القادمة بإذن الله تبارك وتعالي.

وصلى اللهم وسلم وبارك علي سيدنا ومولانا محمد.

اضف رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وإنك لعلى خلق عظيم

الحمد لله رب العالمين … وصلاة وسلاماً علي أشرف المرسلين وقائد الغر المحجلين ،صاحب الشفاعة ...