الإيجابية وصناعة النهضة

خلق الله الإنسان حراً مختاراً ومن ثم فهو مسئول عن أفعاله, إن خيراً فخير وإن شراً فشر .المؤمن الصادق يكره الكسل والدعة والذل والهوان وغالبا ما يضع نصب عينيه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ” اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك غلبة الدين وقهر الرجال “وفي ضوء ذلك يقول رائد الحركة الإسلامية المعاصر الإمام حسن البنا :” فأعدوا أنفسكم وأقبلوا عليها بالتربية الصحيحة والاختبار الدقيق وامتحنوها بالعمل والعمل القوي البغيض لديها والشاق عليها ولا تضيعوا دقيقة بغير عمل وعند ذلك يكون عون الله وتأييده ونصره” وطالما أن الإنسان حر في اختياراته فهو مسؤول عن عمله . والمسئولية التي نعني هي نوعان :1- مسئولية فردية لقوله تعالى ” وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ..” وقوله جل وعلا ” فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ “2- مسئوليه جماعية أي أن المجتمع كله مسئول لقوله تعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ .. “وفي سورة العصر يتجلى التفاعل المجتمعي في البناء والدعوة إلى الخير والعمل الجاد على منع الجور والفساد الذي ينخر في جسد الأمة فيحيلها إلى هياكل عظمية ” وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ). ” وهذه هي صفات وخصائص إنسان سورة العصر فليس في المجتمع المسلم من هو أكبر من أن يوصى وليس فيه من هو أصغر من يوصي .    خليفة المسلمين الأول أبو بكر الصديق ينادي في الناس: الصلاة جامعة ولا ينادى عليها إلا لأمر جلل فماذا أهمك يا أبا بكر ؟ قال : أيها الناس إنكم تقرؤون قوله تعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ” وتحملونه على غير وجهه الصحيح فإني سمعت رسول الله يقول : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده . يريد حاكم المسلمين أن ينبههم إلى أهمية الدعوة إلى الخير والعمل بها والتصدي للمنكر وكل عوامل الفساد والإفساد في المجتمع فليس الأمر يخص الحاكم وحده وإنما المسئولية جماعية ولكي يتم البناء ويكتمل يكون المجتمع مسئولاً عن أخطاء الأفراد لقوله جل وعلا ” .. وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ” فلا يمكن لقناة فضاحية ( الفراعين ) تقود ثورة مضادة لإرادة الشعب فتحرض على القتل والاغتيال وتصفية رئيس الدولة المنتحب والممثل الشرعي الوحيد للشعب لا يمكن ذلك والجماعة الوطنية تقف متفرجة أو تؤثر السلبية على الإيجابية . وأمامنا قصة السفينة التي استهم ركابها : جماعة في أعلاها وجماعة في أسفلها أراد الأخيرون أن يخرقوا خرقاً في قعر السفينة ليشربوا وحتى لا يؤذوا إخوانهم ، النية سليمة ولكن الفهم خاطئ ومدمر وإن كان عفاشة – صاحب الفضائحية – لا تتوفر لدية لا النية السليمة ولا الفهم الصحيح وإنما يدفعه الحقد والحسد فضلا عن العمالة للصهاينة وكنزهم الاستراتيجي مبارك .ماذا ينتظر النائب العام ؟ أليس هذا ما يسمى بالقتل مع سبق الإصرار والترصد ؟ هل ينتظر حتى تتم جريمة القتل ثم يتحرك ؟!    الإيجابية مقدمة وكل مقدمة لها نتيجة فليس عمل بلا جزاء؛ إن ثوابا وإن عقابا, من ذلك قوله تعالى : ” فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ” هذه مقدمة لو تحققت كانت نتيجتها حتمية يقول تعالى ” يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ” وقوله تعالى ” وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا ” إنهم لو فعلوا لكانت النتيجة الحتمية ” لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ” ومعلوم أن الإيمان ليس كلمة تقال وإنما أفعال فليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولك ما وقر في القلب وصدقه العمل والمتأمل يجد في هاتين الآيتين خطة طريق لنهضة الأمة وضعها رب العزة في ضوئها يجتهد العقل البشري مفكراً مخططاً عاملاً .     على مستوى الإيجابية الفردية يطالعنا القرآن الكريم بموقف المرأة الحصيفة النابهة تلكم امرأة فرعون فقد هالها وأفزعها تقتيل الأطفال الصغار فقالت لفرعون ” قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ” ماذا لو أنها لاذت بالسلبية والأنانية المقيتة ؟ لو حدث لقتل موسى عليه السلام ولو حدث لماتت الدعوة إلى الخير . وهي هي ذات المرأة وقد طفح الكيل بعد أن كبر موسى وبعثه الله وواجهه فرعون بالقهر قالت وقد ضحت بالملك وعيشة القصور ورفاهيتها ونعيمها ” رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ” وإذا كان فرعون قد استخف قومه فأطاعوه فإن المجتمع لم يعدم الفطرة السليمة الفاعلة ” وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ “ وموقف مؤمن آل ياسين ليس بخاف علينا فقد تحمل المتاعب والمشاق وجاء من أقصى المدينة ليدعو الناس إلى اتباع الحق إلى اتباع المرسلين ولم يخش في الله ضرباً ولا قتلاً ولا ..ولما قتلوه ظل يحمل الخير للناس فلما قيل ادخل الجنة, قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين, فإيجابيته وتفاعله مع المنهج الحق جعله في صفوف من أكرمهم الله وأن من تغافل وانحاز إلى التكاسل والأنانية والسلبية وضع نفسه مع المهانين. الله جل وعلا هو الرزاق ذو القوة المتين ومع ذلك يريد من الإنسان مهما بلغ من الضعف أن يكون عاملا كادحا فيقول لمريم وقد جاءها المخاض ” وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا “   ولعلو الهمة والإيجابية مقومات منها : الصبر ، وهو عبارة عن قوة الإرادة وكمال العقل والبعد عن الطيش والرعونة يقول الإمام البنا ”   إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والعمل الدائب” ثم ينبه إلى ما يعوق الإيجابية وعلو الهمة بالقول ” فمن أراد أن يستعجل الثمرة قبل نضجها أو يقطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال “ بعد يومين فقط من إعلان فوز الدكتور محمد مرسي برئاسة الجمهوريةقال لي أحد الفراعين من أتباع الجنرال الهارب للعمرة في فنادق دبي !: أهو مرسي بتعكم  نجح, عملنا إيه .. وآخر يطنطن على انقطاع الكهرباء وضعف المياه ولو أنصفوا لعلموا أن هذا الخراب هو ما ورثه الرئيس مرسي من نظامهم البائد الذي دمَّر البلاد وأهان العباد .. كما أن أحداث رفح واستشهاد أبنائنا لعلموا أنه مما صنعت أيدي ضباط العوامات وجنرالات كامب دفيد. إنه الغباء وليس الاستعجال !    لله در القائل :    اعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا                           فإنما الربح والخسران في العمل                            —————–   قد هيئوك لأمر لو فطنت له                    فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل آخر الكلام : كانت كلمة الرئيس محمد مرسي والتي ألقاها بين تراويح مسجد الفاروق في مدينة نصر هي الدافع لكتابة هذا المقال جاء فيها : إن نصر الله لا يتنزل على الخاملين المتواكلين وإنما يتنزل على المجتهدين الذين استفرغوا جهدهم وطاقتهم وكامل وسعهم في إقامة الحق . وقال : إلى جانب الاجتهاد في شعائر الدين نجتهد في إقامة دولة الحق والعدل .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فلن أكون ظهيرا للمجرمين

فضائل كثيرة، ونعم وفيرة ، منح كبيرة امتن الله تعالى بها علي الإنسان ، ” ...