حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ

بعد حمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.

إن لله تعالى سنناً لا تتغير، وقوانين لا تتبدل كما قال سبحانه:{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الأحزاب:62]، وقال:{سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}[الفتح:23]، وقال:{فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر:43]

ومن هذه السنن التي سنها الله تعالى ليسير عليها الكون، وتنتظم عليها أسس البنيان، ارتباط تغيير الله لما حولنا بتغيير أنفسنا، وإصلاح الله لما حولنا بإصلاح أنفسنا، وتمكين الله لنا في الأرض لن يكون إلا إذا غيرنا أنفسنا، وكذلك إذا أنعم على قوم بالأمن والعزة والرزق والتمكين في الأرض فإنه -سبحانه وتعالى- لا يزيل نعمه عنهم، ولا يسلبهم إياها إلا إذا بدلوا أحوالهم، وكفروا بأنعم الله، ونقضوا عهده، وارتكبوا ما حرم عليهم، وهذا عهد الله، ومن أوفى بعهده من الله؟ فإذا فعلوا ذلك لم يكن لهم عند الله عهد ولا ميثاق، فجرت عليهم سنة الله التي لا تتغير ولا تتبدل، فإذا بالأمن يتحول إلى خوف، والغنى يتبدل إلى فقر، والعزة تؤول إلى ذلةٍ، والتمكين إلى هوان، كما قال تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[الأنفال:53]، وقال أيضًا:{إنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} [الرعد:11]

التغيير الحضاري مفتاحه التغيير النفسي:

إن أمتنا لن تتغير إلا إذا تغير أفرادها، إلا إذا تغيرت أنا وأنت، التغيير لا يبدأ إلا من داخلنا؛ فمسؤولية التغيير النفسي والمجتمعي تقع على كاهلنا.

إذا غيرنا أسلوب حياتنا بما يوافق شرع الله، وقلنا لربنا سمعاً وطاعة، واتبعنا هدي نبينا -عليه الصلاة والسلام- كما قال سبحانه:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر:7] عندها نصبح أفراداً وأمة أهلاً لموعود الله، بأن يغير الله ذلنا إلى عزة، وضعفنا إلى قوة، وهواننا إلى تمكين.

والتغيير ليس باللسان فقط، بل هو قول وعمل، ولذا نجد أن قوم موسى -عليه السلام- استغفروا وتابوا وأنابوا، ورفعوا أكفَّ الضراعة إلى الله عز وجل أن يكشف ما بهم من أذى فرعون، وتسلطه وطغيانه في الأرض، فقضى بنو إسرائيل عمراً طويلاً وهم يقولون:{رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [يونس:85،86] فمتى استجيب دعاؤهم؟ لقد استجيب دعاؤهم حين غيروا ما بأنفسهم.

ونحن كم دعونا الله –تبارك وتعالى- أن يريحنا من هذا الكابوس الذي يسيطر علينا، من ظلم الظالمين، وطغيان الطغاة الفاسدين، فلن يستجيب الله لنا إلا إذا وجد منا تغييرًا وتحركًا وتضحية، ونزول إلى أرض الواقع، وعندما نصلح أنفسنا ونغيرها إلى الأفضل والأحسن، ونحسن باطننا وظاهرنا، ونتقرب إلى المولى القدير، ونطيعه فيما أمرنا، ونبتعد عما نهانا عنه، فإنه يكرمنا بفضله وكرمه.

قال تعالى:{ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (3)}[الطلاق]،{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}[الأعراف:96] ،وعن أبي هريرة –رضي الله عنه– عن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: “قال ربكم لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ولما أسمعتهم صوت الرعد”. أخرجه: أحمد، والحاكم وقال: صحيح الإسناد.

وقال أبو سليمان الداراني: “من سره أن تدوم له العافية فليتق الله عزوجل”. صيد الخاطر:20

ويحفظنا الله في الآخرة فيتوفانا على الإيمان، قال بعض السلَّف: إذا حضر الرجل الموت يقال للملك: شمَّ رأسه، قال: أجد في رأسه القرآن، قال: شمَّ قلبه، قال: أجد في قلبه الصيام، قال: شمَّ قدميه، قال: أجد في قدميه القيام، قال: حَفظَ نفسَه، فحفظه الله”. جامع العلوم والحكم – ابن رجب الحنبلي(20/11)

يقول الإمام الشهيد حسن البنا: “السعادة التي ينشدها الناس جميعا إنما تفيض عليهم من نفوسهم وقلوبهم، ولا تأتيهم من خارج هذه القلوب أبدا، وإن الشقاء الذي يحيط بهم ويهربون منه إنما يصيبهم بهذه النفوس والقلوب كذلك”. رسائل الإمام حسن البنا-121

وكان الفضيل بن عياض يقول:”إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي”. صيد الخاطر:20

كيف نغير أنفسنا؟

وتغيير النفس يتطلب منا توبة وإنابة إلى الله عز وجل، بإصلاح أوضاع البيوت والأسر والمجتمع، وإصلاح أوضاع الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية، والأخلاقية والتنظيمية وغير ذلك، بحيث تكون وفق منهج صحيح.

فتش في نفسك فأكبر عائق في تغيير نفسك هو نفسك أنت.

أعرف قدر نفسك: فلقد كرمك الله تبارك وتعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}[الإسراء:70]

الله الجليل القدير نفخ فيك من روحه، وأسجد لك الملائكة:{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)}[الحجر]

وعن أنس –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم– قال: “لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت، فعجبت الملائكة من خلق الجبال، فقالت: يا رب هل في خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالت: يا رب فهل في خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالت: يا رب فهل في خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم الماء، قالت يا رب فهل في خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم الريح. قالت: يا رب فهل في خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم، يتصدق بيمينه، ويخفيها من شماله”.أخرجه: أحمد والترمذي وقال: غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه.

استثمر جو التغيير الذي تعيشه البلاد والأمة الآن: فمن لم يتغير الآن صعب عليه أن أن يتغير بعد ذلك، والدنيا كلها تنظر إلينا لترى ماذا سنصنع.

لقد رشحوك لأمر لو فطنت له **** فاربأ لنفسك أن ترعى مع الهمل

تذكر أن الله قادر عليك واعتبر بمن سبق: أين من ملكوا الدنيا؟ أين من يشار إليهم بالبنان؟ أين من كانت تحيط بهم الحراس من كل ناحية ؟ أين الآمر الناهي؟ أين هم الآن؟ {لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}[إبراهيم :51]، وإذا كان الله قادر على أن يعطيك، فهو قادر كذلك على أن يأخذ ما أعطاك، فهو سبحانه يعطى ويمنع، يعز ويذل:{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:26]

فلنسارع الآن بالتوبة: بالعودة إلى الله لتطهير النفوس من الذنوب والخطايا، والآثام والمعاصي التي كبلتنا، فإننا لن نخرج مما نحن فيه إلا بديننا وبتمسكنا بإسلامنا ورجوعنا إلى ربنا، فإلى متى هذا التمادي؟ وإلى متى نبقى على هذه الجفوة مع الله؟

فلنسارع بالتوبة والرجوع إلى الله الغفور الرحيم، ومهما أذنبنا وقصرنا فيما مضى فإننا إذا تبنا إليه توبة صادقة، ورددنا المظالم إلى أهلها، فإن الله سيفغر لنا كل الذنوب،{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[الزمر:53]

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يردنا جميعاً إلى دينه رداً جميلا، وأن يلهمنا رشدنا، ويفقهنا في ديننا، ويرينا الحق حقاً ويرزقنا إتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يمكن لأمة الإسلام، ويعيد لها عزتها ومكانتها، وأن ينصرها على أعدائها إنه سميع مجيب.

وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإيجابية وصناعة النهضة

خلق الله الإنسان حراً مختاراً ومن ثم فهو مسئول عن أفعاله, إن خيراً فخير وإن ...