قرض ثانٍ من صندوق النقد.. السيسي يدق المسمار الأخير في نعش مجانية العلاج والتعليم

فيما يعد ثنائي “التعليم والصحة” عنصرين مهمين لبناء الدول مهما صغرت أو كبرت، تتجه مصر إلى قتل هذا الثنائي بتوجيه مباشر بحتمية إلغاء ما يطلق عليه “مجانية” التعليم والعلاج للمواطن.

وكشفت مصادر مطلعة عن أن سلطات الانقلاب العسكري تستعد بملف مهم إلى صندوق النقد الدولي تحت إطار “قرض جديد” يستهدف من خلاله السيسي وعصابته إلغاء مجانية التعليم والعلاج لفقراء مصر.

يأتى الأمر رغم سخونة الأجواء التي فجّرها المقاول والممثل محمد علي، حول إنفاق العسكر مليارات الجنيهات على تشييد قصور واستراحات لزوجاتهم على حساب الشعب.

قرض جديد

وحسب المصادر، هناك اتجاه نحو إلغاء مجانية التعليم الأساسي والجامعي بصورة تدريجية خلال السنوات المقبلة، بحجة “عدم قدرة الدولة على تمويل مشروعات تطوير التعليم” باتفاق مع صندوق النقد الدولي.

كان العسكر قد انتهوا من الحصول على آخر شرائح القرض الأخير (12 مليار دولار) والذي لم يستفد منه المصريون في شيء، سوى رفع الأسعار وغلاء المعيشة، وارتفاع فواتير الكهرباء والغاز والمياه والمواصلات.

مجانية التعليم

الحديث عن مجانية التعليم، التي ترى الوزارة أنها عائق يمنع تطوير التعليم، في ظل عجز الموازنة والتضخم وتفاقم الدين العام أكذوبة؛ إذ يدفع المواطن المصرى آلاف الجنيهات كي يقوم بتعليم أطفاله.

وتراجعت نسبة الإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم الأساسي والعالي والبحث العلمي إلى الناتج المحلي الإجمالي، من 5.21 في المائة عام 2015 إلى 3.33 في المائة عام 2019، بما يخالف مواد الدستور التي أقرت نسبة إنفاق لا تقل عن 10 في المائة من الناتج الإجمالي لهذه القطاعات مجتمعة.

واعتبر وزير التعليم في حكومة الانقلاب طارق شوقي – في تصريحات سابقة، أمام لجنة المشروعات الصغيرة بمجلس نواب الدم – أن مجانية التعليم تمثل سببًا رئيسًا في تراجع عملية التطوير، قائلاً: “هذا الوضع لا يجب أن يبقى طويلاً؛ لأن المجانية أصبحت ظلمًا اجتماعيًا وتحد من قدرتنا على الحركة، والدولة والأهالي هم من يدفعون فاتورة الدروس الخاصة التي تصل إلى 200 مليار جنيه.

أكذوبة 

أدلة التبرئة هي أن التعليم لم يعد مجانيًا، بالمعنى الحرفي أو المجازي؛ فمصروفات الدراسة، والدروس الخصوصية، والكتب الخارجية، والأدوات المدرسية، وغير ذلك مما تتطلبه سنوات التعليم تؤكد أن الأسرة تنفق على التعليم أكثر من إنفاقها على أمور أخرى ضرورية، كالصحة والملابس، كما أن مصروفات الدراسة وأدواتها ترتفع دون أن تتأثر بمجانية التعليم، وإنما بارتفاع أسعار الخدمات والأدوات، مثل الطباعة ووسائل النقل والكهرباء.

العلاج

الملف الثاني المنوط به قتل ما تبقى من بقايا الإنسان المصري، هو إلغاء مجانية العلاج، وكأن العلاج متاح ومجاني خاصةً في التأمين الصحي والمستشفيات الحكومية.

برلماني الدم عصام فاروق كان قد تقدم بطلب إحاطة إلى وزيرة الصحة بحكومة العسكر عن سبب فشل الوزارة في تطوير المستشفيات الحكومية، وعدم استقبالها الآلاف من الحالات المريضة من غير القادرين، مؤكدًا أن دخول المستشفيات الحكومية الآن يحتاج إلى واسطة من مسئول أو نائب.

وقال فاروق: إن الدولة تواجه أزمة حقيقية في المستشفيات الحكومية والعلاج الآن أصبح حكرًا على الأغنياء، أما الفقراء فإنهم يعانون أشد المعاناة عند دخول أي مستشفى حكومي.

وتساءل: هل نريد أن نعرف من وزيرة الصحة أين يذهب المريض الفقير بعد أن ترفض المستشفيات الحكومية استقباله؟ مشددًا على ضرورة وضع استراتيجية واضحة من الحكومة لمواجهة أزمات قطاع الصحة، والتي ضحيتها المواطن الفقير الذي أصبح العلاج حلمًا له، رغم أن الدستور نص على أنه حق لجميع المصريين، والتعامل مع ملف الصحة بكل جدية ومضاعفة الميزانية الخاصة بالصحة، ووضع منظومة متكاملة من الوزارة لتواكب الزيادة السكنية ومواجهة الكوارث التي تحدث داخل المستشفيات الحكومية.

تهميش المخصصات

وتعيش “المنظومة الصحية” حالة من الجفاء بدولة الانقلاب العسكري، بعد الأنباء الواردة عن تقليص فعلي لمخصصات “الصحة”، فقد أوصت لجنة الصحة ببرلمان الانقلاب العسكرى، بزيادة مخصصات المستلزمات والصيانة والنظافة في الموازنة الجديدة لوزارة الصحة.

وحذرت مصادر مطلعة من أن الاتفاق الجديد مع صندوق النقد قد يصاحبه فتح ملف العلاج بالمجان، ولا سيما مع بدء تطبيق المرحلة الأولى من منظومة التأمين الصحي الشامل في محافظات بورسعيد والإسماعيلية والسويس وجنوب سيناء والأقصر وأسوان، التي تستهدف في المقام الأول “خصخصة” المنظومة الصحية، من خلال بيع المستشفيات الحكومية غير المؤهلة للمنظومة الجديدة، وتسعير الخدمات العلاجية بشكل لا يتناسب مع دخول المواطنين.

وكلفت وزارة صحة الانقلاب الآلاف من الأطباء العمل في محافظات المرحلة الأولى بطريقة عشوائية، بالتزامن مع بدء تطبيق المنظومة الجديدة، التي لم تصاحبها حالة من التأهيل أو التطوير للمستشفيات العامة، وسط شبهات فساد تلاحق المنظومة بأكملها منذ إعلانها قبل عامين، على وقع استحواذ شركة “أبراج كابيتال” الإماراتية على عدد كبير من المستشفيات الحكومية والخاصة.

وواجهت “المنظومة الصحية” خلال الأعوام السابقة عدة أزمات، بدأت بنقص لبن الأطفال المدعم، وسيطرة السوق السوداء عليه. ثم أزمة نقص المحاليل الوريدية (محاليل الملح والجفاف والجلوكوز)، على خلفية توقف عدد من الشركات والمصانع الإنتاجية عن التوريد المحلي؛ بسبب زيادة سعر صرف الدولار، وبالتالي تزايد سعرها بنسبة 60%. ثم زيادة أسعار 3 آلاف صنف دوائي من أصل 12 ألف دواءٍ بالسوق المصرية مرتين خلال أقل من عامين، وهو ما أدى إلى معاناة المواطنين لعدم توفر عدة أنواع من الأدوية تجاوزت 1650 صنفًا دوائيًا، من بينها 250 صنفًا دون بدائل.

معدل الإنفاق

ومع تراجع مخصصات الرعاية الصحية بهذا القدر الذي أصبح لا يكفل الحق في الصحة، كما لا يتناسب على الإطلاق مع حجم التحديات التي تواجه القطاع الصحي. فطبقًا لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لعام ٢٠١٦، فإن ٢٧٫٨% من المصريين فقراء ولا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية، مما يشمل بالطبع الاحتياجات الصحية.

كما كشفت نتائج المسح الصحي القومي لعام 2017 الصادرة من الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، عن أن 85% من الوفيات في مصر سببها الأمراض غير المعدية، كالضغط والسكر والسمنة، وأن 90% من المصريين مهددون بالإصابة بها.

كما رصد تقرير صادر عن مؤسسة كوليرز إنترناشيونال أن نصيب المصري من النفقات الصحية بشكل عام (إنفاق حكومي وخاص) في 2014 بلغ 2992 جنيها.

كما أن الإنفاق بمجال الرعاية الصحة يتذيل معدل الإنفاق عالميًّا؛ حيث بلغت النفقات الصحية في سويسرا، وهي الأعلى على مستوى العالم 9674 دولار لكل فرد، بينما بلغت 3935 دولارًا في المملكة المتحدة، واحتلت مصر عام ٢٠١٤ المركز رقم ٩٧ ضمن ١٤٤ دولة في تحقيق المتطلبات الأساسية من الصحة والتعليم الأساسي، كما جاءت مصر عام 2016 في المركز ١٨٦ من ٢٢٠ دولة من خلال إحصائيات موقع “نومبيو” المختص برصد رفاهية الدول.

الخدمة الحكومية

بالإضافة لما سبق يتراجع مستوى المستشفيات التابعة للحكومة، وتتردى مستوى الخدمة المُقدمة للجمهور، ورصد المركز المصري لحماية الحق في الدواء أن %60 من المستشفيات الحكومية تفتقر للخدمات الأولية للرعاية الصحية، وتشهد نقصًا واضحًا وملحوظًا في الأسرة وأجهزة الأشعة، والأطقم الطبية، ونقصًا في الأدوية، مشيرًا إلى أن بعض المستشفيات والمعاهد قامت بوضع صندوق خارج المباني لجمع التبرعات لحل تلك الأزمة.

وبالتالي، فإن مخصصات الصحة في الموازنة الحالية لا تكفي للوفاء باحتياجات النظام الطبي؛ ما يفتح المجال لخضوع المصريين للقطاع الخاص رغم معاناتهم من الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر، واستحوذ القطاع الخاص على معظم حصة سوق الرعاية الصحية عام 2014؛ حيث أنفق حوالي 62% من إجمالي الإنفاق بقطاع الصحة، في حين يصرف القطاع العام الحكومي 38% فقط.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

2500 حالة يوميًّا.. الطلاق يهدد المجتمع المصري بالانهيار في عهد العسكر

تتزايد مشكلات المجتمع المصري منذ الانقلاب العسكري على أول رئيس مدني منتخب الشهيد محمد مرسي ...