حزب العدالة والتنمية وتحدي التجديد

اسماعيل باشا

نجح حزب العدالة والتنمية في أن يحكم تركيا منذ أول انتخابات برلمانية خاضها بعد تأسيسه في صيف 2001، أي ما يقارب الـ18 عاما، إلا أن أي حزب سياسي يحكم البلاد لمدة طويلة يمكن أن يصاب بالشيخوخة وبعض أمراض الأحزاب الحاكمة التي تبقى في السلطة في الأنظمة الدكتاتورية لعشرات السنين، حتى لو كان ذاك الحزب يفوز في النظام الديمقراطي عبر الانتخابات الحرة النزيهة والمنافسة الشريفة، كما أن الشعوب والأجيال الناشئة غالبا ما تتطلع للتغيير والتجديد. وللحفاظ على حيويته وصحته، يحتاج الحزب إلى معالجة أعراض تلك الأمراض قبل أن تتفاقم، وتؤدي إلى انهياره.

حفاظ حزب العدالة والتنمية على شعبيته طوال هذه السنين نجاح كبير قل نظيره؛ لأن المعروف في الأنظمة الديمقراطية، أن الحزب الذي يحكم البلاد تتآكل شعبيته خلال سنوات حكمه. ويعود هذا النجاح إلى عدد من الأسباب، منها النجاحات الباهرة التي حققها في شتى المجالات، ومنها غياب حزب معارض يمكن أن يقنع الشعب التركي بأنه سيخدم البلاد أكثر مما خدمها حزب العدالة والتنمية، ومنها أيضا نجاح الحزب في جس نبض الشارع والاستماع إلى مطالبه وهمومه وتطلعاته، بالإضافة إلى رغبته المخلصة في مراجعة نفسه وتصحيح أخطائه.

حفاظ حزب العدالة والتنمية على شعبيته طوال هذه السنين نجاح كبير قل نظيره؛ لأن المعروف في الأنظمة الديمقراطية، أن الحزب الذي يحكم البلاد تتآكل شعبيته خلال سنوات حكمه


حزب العدالة والتنمية يستعد هذه الأيام لإجراء أكبر انتخابات داخلية؛ يتوقع أن يشارك فيها أكثر من 10 ملايين و400 ألف عضو منتمٍ إلى الحزب، لانتخاب 430 ألف عضو ممثل لفروع الحزب في جميع أنحاء البلاد. ومن المتوقع أن يختار هؤلاء الأعضاء الممثلون المنتخبون الكوادر القيادية التي ستقود حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المزمع عقدها عام 2023. ومن المقرر أن تبدأ الانتخابات الداخلية لحزب العدالة والتنمية نهاية الشهر الجاري، وتستمر حوالي أسبوعين، لتنتهي في منتصف كانون الأول/ ديسمبر.

رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، قال في كلمته التي ألقاها في أغسطس / آب الماضي بمناسبة الذكرى الـــ18 لتأسيس حزب العدالة والتنمية، إنهم يبحثون عن “عُمَرِين”، في إشارة إلى الأشخاص الذين يتحلون بصفات الخليفة الثاني عمر رضي الله عنه، كما حذر أعضاء حزب العدالة والتنمية من أن يقدموا مصالحهم الشخصية أو مصالح جماعاتهم الضيقة على قضيتهم العليا. وكان أردوغان قد طلب من أعضاء الحزب وقادته مرارا أن يتواضعوا في تعاملهم مع الناخبين، ولا يتكبروا على الشعب.

هل سينجح حزب العدالة والتنمية خلال الانتخابات الداخلية في الحصول على الأشخاص الذين يبحث عنهم، وضمهم إلى صفوف أعضائه وقادته؟


تصريحات أردوغان وتحذيراته هامة للغاية، وتضع معايير لاختيار الكوادر القيادية لحزب العدالة والتنمية، إلا أن الأهم من وضع المعايير تطبيقها على أرض الواقع، وأن لا تبقى تلك التصريحات حبرا على ورق. وبالتالي، السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل سينجح حزب العدالة والتنمية خلال الانتخابات الداخلية في الحصول على الأشخاص الذين يبحث عنهم، وضمهم إلى صفوف أعضائه وقادته؟

هناك حقيقة لا يمكن أن ينكرها أحد في تركيا، وهي أن الجماعات الدينية لها ثقل كبير في الحياة السياسية، وتعتبر كل واحدة منها “خزان أصوات” يمكن أن يغير المعادلة إن كانت المنافسة الديمقراطية شديدة. وتسعى تلك الجماعات إلى تعزيز قوتها وتوسيع دائرة نفوذها من خلال التغلغل في الأحزاب السياسية وأجهزة الدولة، كما أن ولاء معظم هؤلاء يكون بالدرجة الأولى إلى جماعاتهم وشيوخهم، ولمجرد انتهاء تحالف جماعاتهم مع هذا الحزب أو ذاك ينتهي تأييدهم للحزب. ومهما حذر أردوغان أعضاء حزب العدالة والتنمية من تقديم مصالح جماعاتهم الضيقة على مصالح الوطن، فإن هذا التحذير قد لا يجد من يصغي إليه ليعتقد أعضاء حزب العدالة والتنمية أن أبناء جماعاتهم هم “عمرون” الذين يبحث عنهم أردوغان.

الانتخابات الداخلية فرصة كبيرة لحزب العدالة والتنمية، وإن نجح في معالجة أمراضه وتصحيح أخطائه


عملية التغيير والتجديد في الأحزاب السياسية سكين ذو حدين. وهي تضخ في شريان الحزب دماء جديدة ليستعيد صحته وحيويته، وتفتح المجال أمام الشباب، إلا أنها في ذات الوقت قد تؤدي إلى انشقاق الأعضاء القدامى المستائين من التهميش. وهناك أمثلة كثيرة لهؤلاء الذين كانوا يوما في صفوف حزب العدالة والتنمية، ولكنهم تحولوا إلى معارضين بعد أن فقدوا مناصبهم وامتيازاتهم.

الانتخابات الداخلية فرصة كبيرة لحزب العدالة والتنمية، وإن نجح في معالجة أمراضه وتصحيح أخطائه، والحصول على “عمرين” وضمهم إلى صفوفه من خلال هذه العملية الديمقراطية، يمكن أن يحافظ على شعبيته، ويرفع حظه في الانتخابات القادمة، وإلا فإنه سيجد بالتأكيد صعوبة بالغة في الفوز، وقد يخسر فيها، في ظل تكالب المعارضة عليه لإسقاطه بأي وسيلة وبأي ثمن.

نقلا عن عربي 21

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“ممالك النار”.. حرائق “بن زايد” يطفئها المؤرخون

بقلم: حازم عبد الرحمن أنتجت دولة الإمارات مسلسلا تاريخيا باسم ” ممالك النار”, بتكلفة 40 ...