لماذا تغير الموقف الأمريكي من ليبيا.. وما تأثيره على “الثورة المضادة”؟

بعد أقل من أسبوعين على إطلاق اللواء المنشق خليفة حفتر هجومه على طرابلس ودعوته “للنفير العام”، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس ترامب أجرى اتصالا بحفتر وأكد على دوره في محاربة الإرهاب.


لم يكن هذا الاتصال بروتوكوليا بالتأكيد، فهو بين رئيس الدولة الأقوى في العالم وبين زعيم ميليشيا لا يمتلك أي شرعية دولية، وهو ما عنى في ذلك الوقت تأييدا صريحا من ترامب لتحرك حفتر تجاه طرابلس. 

لماذا أيد ترامب حملة حفتر على طرابلس؟

يمكن فهم تأييد ترامب لحفتر عند بداية حملته العسكرية ضد طرابلس وحكومة التوافق باعتبارات استراتيجية تتعلق بمصالح واشنطن في المنطقة، ولكن بشكل أكبر باعتبارات تكتيكية تنطلق من شخصية الرئيس الأمريكي غير العارف بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

وبناء على هذه المحددات فإنها تعتقد أن حفتر الذي يزعم أنه قادر على بسط الاستقرار سيحقق مصالحها من خلال حماية صادرات النفط وأسعاره، وعبر الانتصار على الفصائل التي يدعي أنها تمارس الإرهاب (رغم أن هذه أكذوبة اخترعها حفتر لترويج نفسه في الغرب)، كما أنها تتوقع أنه لن يمثل أي تأثير على الملف الفلسطيني بسبب بعد ليبيا عن فلسطين من جهة، وبسبب انتمائه لمحور “الثورة المضادة” ذي العلاقات المتصاعدة مع الاحتلال سرا وعلنا.

ولأن المعركة لم تحسم حربيا لصالح حفتر منذ إعلان سيطرته على بنغازي ومناطق أخرى في الشرق الليبي، فقد حافظ الموقف الرسمي الأمريكي على نوع من “التوازن” العلني، بانتظار حسم المعركة لصالح الطرف الأقرب لرؤية واشنطن وهو حفتر، ولكن هذا الموقف لم يلتزم به الرئيس المعروف “بتفلته” من السياسات الرسمية للمؤسسات الأمريكية الراسخة، ولهذا فقد أعلن عن اتصاله بحفتر بعد أسبوع من بيان “متوازن” حول الأزمة كان قد صدر عن الخارجية.

ويبدو أن الموقف الذي أعلنه ترامب كان بتأثير من حلفائه بمنطقة الشرق الأوسط وخصوصا في الرياض وأبو ظبي اللتين لا تخفيان دعمهما لحفتر.

ما الذي غير موقف واشنطن؟

أصدرت الولايات المتحدة بيانا رسميا قبل أيام دعت فيه حفتر لوقف هجومه على العاصمة طرابلس، بعد اجتماع عقده وفد من حكومة الوفاق الوطني الليبي المعترف بها دوليا مع عدد من ممثلي الخارجية والمؤسسات الأمنية الأمريكية.


وكان لافتا في البيان أنه اتهم روسيا باستغلال الأزمة، ما يشير إلى أن الموقف الأمريكي الجديد، ينطلق من حسابات الصراع الأمريكي- الروسي، وليس من زاوية المصلحة الليبية الصرفة.

ثمة أسباب مهمة يمكن أن تفسر انزعاج واشنطن من الدور الروسي في ليبيا، وقد طرح بعضها الزميل السنوسي بسيكري في مقاله في عربي21 قبل يومين، وهي أسباب مبنية على مصالح أمريكا “القليلة نسبيا” في ليبيا.

ولكن، لماذا تغاضت واشنطن عن التدخل الروسي في سوريا مثلا ولم تحاربه ولم تنزعج منه نفس انزعاجها من دور موسكو في ليبيا؟

لأن الصراع في سوريا لا يهم سوريا إلا من المحددات الاستراتيجية الثلاثة التي ذكرناها في بداية المقال: النفط، “إسرائيل” و”الإرهاب”، وهي محددات تم تحقيق المصلحة الأمريكية فيها من خلال التدخل الروسي في سوريا. وبينما لعبت روسيا في ملعب سوريا الذي لا وجود فيه أصلا لأصدقاء أو حلفاء لأمريكا (ونقصد هنا: نظام الأسد، وروسيا، وإيران، والقوى العسكرية الإسلامية المعارضة)، فإن الملعب الليبي يتضمن تحالفات بين أصدقاء واشنطن التقليديين وبين خصمها التقليدي: روسيا.

ولعل هذا ما يفسر الغضب والعقوبات الأمريكية ضد تركيا بسبب صفقة صواريخ الـ”أس400″ الروسية، وتهديدها لمصر بالعقوبات إذا اشترت طائرات سوخوي “سو35″، وأيضا تهديدها لكل من السعودية وقطر قبل عام بالعقوبات إذا عقدتا صفقات شراء صواريخ “أس400”.

الثورة المضادة تخسر مجددا في ليبيا

بقراءة طبيعة العلاقات بين واشنطن ودول “الثورة المضادة”، يمكن توقع تراجع لهذه الدول في ليبيا، وذلك لأنها لن تكون قادرة على مجابهة الرفض الأمريكي للتحالف مع روسيا لدعم حفتر، ولعل ما سيزيد من الضغط الأمريكي هو أن روسيا بدأت بحسب الاتهامات بإرسال فرق مرتزقة يعملون لحسابها لدعم قوات حفتر، وهو ما سيزيد من القلق الأمريكي لأنه سيعني وجودا عسكريا حقيقيا لموسكو على أراضي ليبيا القريبة من دول أوروبا الحليفة لواشنطن.

ومن المتوقع أن يمتد أيضا للضغط على مجلس الحكم الانتقالي في السودان الذي يبدو أنه يرسل فرقا عسكرية هو الآخر لدعم حفتر، حسب اتهام بعض القوى الليبية في طرابلس. 

إذا ثبت الموقف الأمريكي، وهو أمر متوقع إلى حد كبير ما لم يغيره “تفلت” ترامب مجددا! فإن هذا سيمثل خسارة مزدوجة للثورة المضادة، أولا في ليبيا، وثانيا في السودان الذي سيفقد أحد أهم عوامل الارتباط بينه وبين هذه الدول، والتي تتلخص بحصوله على الدعم المالي مقابل إرسال قوات عسكرية تدعم هذه الدول في اليمن وليبيا.

المصدر: عربي 21

اضف رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

اعتداء جديد على حرية الصحافة

محمد عبدالقدوس صدق أو لا تصدق.. بلادي طبقا للمعايير الدولية في حرية الصحافة تحتل المرتبة ...