الغارة الأمنية على “مدى مصر”.. الرسائل والأصداء

صباح السبت 23 نوفمبر 2019م،  أصدرت أسرة التحرير  بموقع “مدى مصر” الإخباري بيانا أكدت فيه أن قوات الأمن المصرية اعتقلت الزميل شادي زلط، الصحفي بالموقع منذ (6)سنوات؛  وبعد مرور (18) ساعة على اعتقاله أصدر الموقع بيانا ثانيا[1]، ينقل عن لينا عطالله، رئيس تحرير الموقع «نحن جميعًا في خطر. إن لم ندافع عن أنفسنا سنصبح جميعًا، كزملاء لشادي، سجناء لدى السلطات. خيارنا الوحيد هو مواصلة الكفاح لضمان أمان زميلنا الشخصي، وكذلك لضمان قدرتنا على أداء وظيفتنا». وأهم ما ورد بالبيان الثاني، أنه أوضح الموقف من إجراءات تقنين الموقع وتسوية وضعه القانوني مؤكدا «تقدّمنا العام الماضي بطلب لتسوية وضعنا القانوني من خلال قانون الصحافة والإعلام الجديد؛ (القانون رقم 180 لسنة 2018). فعلنا ذلك دون أية أوهام عن دور الصحافة، وكيف تنظر السلطات لها. مرّ عام كامل على تقديم الملف، ولم نتلق ردًا حتى اليوم».

ما لم يذكره البيان وكان معلوما للجميع أن الموقع قبل ذلك بثلاثة أيام، قد نشر الأربعاء 20 نوفمبر2019، تقريرا خطيرا تحت عنوان («مهمة عمل طويلة».. إبعاد محمود السيسي إلى روسيا).فجَّر فيه الموقع عدة مفاجآت نقلا عن مصدرين بجهاز المخابرات العامة ومصدرين حكوميين رسميين: أهمها أن قرارا صدر من السيسي بناء على توصيات من ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد والدائرة الاستشارية الضيقة للسيسي بإبعاد نجله العميد محمود السيسي وكيل جهاز المخابرات العامة ليعمل ملحقا عسكريا في روسيا؛لأن النفوذ الواسع لنجل السيسي في المخابرات أثر سلبًا على والده، حسبما رأى بعض المنتمين للدائرة المحيطة بالسيسي. إضافة إلى عدم نجاح الابن في إدارة عدد من الملفات التي تولاها. وعلى رأسها الإعلام ومواجهة الحملات التي يشنها الفنان والمقاول محمد علي ضد السيسي ونجله وأسرته ومشروعات الجيش التي تديرها الهيئة الهندسية. كما استهدف القرار تخفيف حدة التوتر المتزايد داخل جهاز المخابرات العامة، إزاء الدور الذي يقوم به السيسي الابن داخل الجهاز منذ وصول السيسي إلى سدة الحكم في 2014، من عمليات «تطهير» طالت مجموعة من كبار العاملين في الجهاز بدعوى أنهم من «رجال عمر سليمان ؛ ولا ولاء لهم للدولة الجديدة». كما أن هناك حالة من عدم الارتياح داخل الجهاز إزاء الطريقة «الصدامية» و«الحادة» التي يتعامل بها السيسي الابن مع الملفات وتجاهله لكثير من النصائح التي ترفع إليه.

رسائل الغارة الأمنية

اعتقال الزميل شادي، إذا، تم من أجل الضغط عليه لمعرفة المصدرين اللذين اعتمد عليهما التقرير من داخل جهاز المخابرات، لا سيما في ظل الأوضاع المتوترة والحملة الشرسة التي يقودها الفنان والمقاول محمد علي ضد نظام السيسي ويقين النظام أن من يقف وراء هذه الحملة هم قيادات نافذة داخل الجهاز والذي يشعر قادته بمرارة بالغة بعد أن أجهز السيسي على الجهاز وهمش قادته الرفيعه لحساب نجله وضباط صغار جيء بهم من المخابرات الحربية. ويبدو أن شادي لم يكن يعرف المصدرين ما دفع النظام إلى شن غارة أمنية واقتحم مقر الموقع  ظهر الأحد 24 نوفمبر 2019م، واحتجز أسرة التحرير وعددا من الصحفيين الأجانب كانوا بالموقع وقت الاقتحام لبث تقارير عن اعتقال زلط.

أراد النظام  بهذه الغارة عدة رسائل، أهمها  التأكيد على الخطوط الحمراء للإعلام وأن النشر عن أسرة السيسي وخصوصا نجله العميد محمود تابوه لا يجوز المساس به، كما لا يجوز الحديث والنشر عن شئون ما تسمى بالأجهزة السيادية (الجيش والمخابرات والأمن الوطني والشرطة والقضاء). كما استهدف النظام بهذه الغارة مزيدا من الترويع للصحفيين والتأكيد على أنه لن يقبل بأي مسحة من حرية الصحافة والإعلام حتى لو كانت هامشية للغاية. وثالثا، الإصرار على خنق حرية الصحافة والإعلام وعدم الاكتراث بالانتقادات الدولية والحقوقية التي تلاحقه وآخرها ما جرى في اجتماعات مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالعاصمة السويسرية جنيف.

لماذا تراجع النظام؟

الغارة الأمنية على الموقع  أسفرت عن احتجاز رئيس التحرير  لينا عطالله والزملاء محمد حمامة ورنا ممدوح عدة ساعات، ومصادرة هواتفهم وحواسبهم المحمولة (لابتوب)؛ ثم تم اصطحاب الزملاء الثلاثة مع قوة أمنية في ميكروباص إلى قسم شرطة الدقي ثم نقل الزملاء إلى سيارة ترحيلات مكبلين في الأصفاد باتجاه مقر الأمن الوطني بالشيخ زايد؛ وفجأة عادت السيارة أدراجها إلى قسم الدقي، وأخلوا سبيل الزملاء الثلاثة جميعا. وبعد دقائق، تلقى محامي «مدى» اتصالا من الزميل شادي زلط، ليخبره أنه تم إخلاء سبيله، وتُرك على الطريق الدائري بعد يوم ونصف من اعتقاله من منزله.[2]

فلماذا تراجع النظام بهذه السرعة؟ وما الأسباب التي أجبرته على إخلاء سبيل الزملاء؛ رغم أنه يمارس مثل هذه الجرائم وأكثر بشاعة منها منذ انقلاب 30 يونيو 2013م؟

أولا،يمكن تفسير هذا التراجع المفاجئ إلى المكانة التي يحظى بها الموقع على المستوى الدولي، باعتباره النافذة الوحيدة الباقية من المواقع المهنية المستقلة والتي يتابع نسختها الإنجليزية الدبلوماسيون وكبار الساسة على مستوى العالم لمعرفة الأوضاع في مصر. حيث تحظى النسخة الإنجليزية للموقع باحترام شديد على المستوى الدولي. في ظل عمليات الحجب التي مارسها النظام ضد مئات الصحف والمواقع خلال السنوات الماضية التي أعقبت انقلاب 30 يونيو2013م، إضافة إلى أن حسام بهجت مدير الموقع يرتبط بعلاقات وثيقة مع جهات وشخصيات خارجية لها نفوذ واسع في الحكومات الأوروبية والمؤسسات الإعلامية الدولية والحقوقية.

ثانيا،وجود صحفيين أجانب تم احتجازهم بالموقع يمثلون ثلاث جنسيات أجنبية أمريكية وبريطانية وفرنسية؛ إضافة إلى خشونة القائمين على الغارة الأمنية كعادتهم مع الصحفيين المحتجزين وعددهم “16” من أسرة الموقع والكتاب المتعاملين معه من الأجانب؛  وعدم الكشف عن الجهة التي ينتمي إليها الضباط وعدم الكشف كذلك عن قرار النيابة،  موجهين ردودًا غاضبة وعدائية على كل أسئلة الفريق القانونية. كما تم استجواب صحفيين اثنين يعملان في الموقع الانجليزي وهما  (إيان لوي)، وهو أمريكي الجنسية، و(إيما سكولدنج)، وهي بريطانية، بالإضافة إلى زميلين آخرين من قناة فرانس24، كانوا قد وصلوا إلى المكتب لإعداد تقرير عن اختطاف زلط.

ثالثا احتجاز بعثة فريق “فرانس 24” دفع ممثلين عن سفارة فرنسا بالقاهرة إلى التدخل والحضور مباشرة والتواصل مع المحتجزين في الداخل والاطمئنان على الفريق الفرنسي؛ وتمكن ممثلو السفارة الفرنسية من اصطحاب فريق فرنس24، كما توجهت قوة أمنية مع الزميلين إيان) و(إيما)، إلى منزليهما للإطلاع على جوازات سفرهم، ثم أخذوا نسخة عنها، قائلين لهم «المشكلة ليست معكم. المشكلة مع موقعكم».

رابعا،أثناء الغارة الأمنية، دعت منظمة العفو الدولية السلطات المصرية إلى الإفراج الفوري عن الصحفيين المحتجزين بمقر موقع “مدى مصر” في القاهرة. وقالت المنظمة في حسابها الرسمي على تويتر إنه “في تصعيد خطير، تقوم قوات الأمن المصرية الآن باقتحام مكتب مدى مصر ومنع المحامين من دخول المكتب، يأتي ذلك بعد اعتقال الصحافي شادي زلط بالأمس”. وأضافت: “على السلطات الأمنية مغادرة المكان فورا وعدم التعرّض للصحافيين بسبب قيامهم بعملهم”.

خامسا،أثناء وجود الزملاء الثلاثة في قسم الدقي وصل مندوب من السفارة الأمريكية، وآخر من السفارة البريطانية، إلى مقر القسم، لمتابعة التحقيقات والوقوف على التفاصيل، وفتح خط اتصال مباشر مع مسؤولين رفيعي المستوى في بلدانهم”. وبعد ذلك، تدخل السيسي بشكل مباشر،  ليتم الإفراج عن الصحفيين المحتجزين، وكشفت مصادر في الوقت ذاته أن مسؤولاً رفيع المستوى في الحكومة البريطانية اتصل بمسؤول مصري، ودعاه للتراجع عن تلك الخطوة.[3]

سادسا،المخاوف من التأثير السلبي لاعتقال صحفيي “مدى مصر” على مؤتمر شباب العالم المقرر تنظيمه في 17 ديسمبر المقبل؛ والذي يشرف على تنظيمه محمود السيسي والضابط أحمد شعبان مسئول ملف الإعلام بالمخابرات؛  ولذلك  تواصل ضياء رشوان رئيس الهيئة العامة للاستعلامات بمسئولين بحكومة الانقلاب ونصحهم بالتراجع وضرورة إطلاق سراح صحفيي “مدى مصر” وذلك بعد سيلٍ من الاتصالات من وسائل إعلام غربية وأميركية تواصلت معه للوقوف على تفاصيل الأزمة ونشرها. إضافة إلى أن مسؤولين غربيين نصحوا شخصيات بارزة في حكومة السيسي بضرورة التجاوب مع التحذيرات التي تلقّوها بشأن عدم التصعيد في أزمة موقع “مدى مصر”، محذرين من استفزاز الرأي العام الأوروبي بالقبض على الصحفيين، وبالتحديد في البلدان التي ينتمي إليها صحفيون يعملون لدى الموقع، ما سيضطر الجهات الرسمية فيها إلى اتخاذ موقف صارم ضد القاهرة.

خسائر بالجملة

بعد انتهاء الغارة الأمنية وتراجع النظام عن التمادي في جريمته باعتقال الصحفيين فإن ما جرى سبب للنظام خسائر بالجملة كان يمكن أن تتضاعف لو أصر على اعتقال الزملاء وتحدي النفوذ الأمريكي والأوروبي والتهديدات التي تمت في غلاف من النصائح والاقتراحات.

أولى الخسائر، أن النظام فقد كثيرا من سمعته على المستوى الدولي، وبهذا الأجراء العشوائي أهدر مئات الملايين التي ينفقها لتحسين صورته أمام الرأي العام الدولي؛  كما سلط الضوء على حجم الانتهاكات الجسيمة ضد العمل الصحفي والإعلامي بمصر وكيف يخنق النظام حرية الصحافة والإعلام بصورة مخيفة وغير مسبوقة؛ وفي نفس يوم الغارة على “مدى مصر” أصدر الاتحاد الأوروبي[4] بيانا شديد اللهجة، أكد فيه تراجع حرية الإعلام بمصر؛ داعياً السلطات في القاهرة إلى تمكين الصحفيين من العمل دون خوف من المضايقة. و وأضاف الاتحاد في بيانه أن هناك “قيوداً مستمرة على الحريات، بما في ذلك حرية التعبير والتجمع وتراجع حرية وسائل الإعلام في مصر”. واعتبر ذلك “مدعاة للقلق”، مؤكدًا أن “وسائل الإعلام المستقلة والمتنوعة هي المفتاح لديمقراطية فعالة”. وتابع: “يجب أن يكون الصحافيون قادرين على القيام بعملهم دون خوف من المضايقة، بما يتماشى مع الدستور المصري والالتزامات الدولية لمصر”.كما وجد النظام نفسه محاصرا من إدانات دولية غير مسبوقة، هذه المرة  الإدانات جاءت من الحكومات الغربية وليست المنظمات الحقوقية فقط والتي دأب النظام على عدم الاكتراث ببياناتها التي تفضح جرائمه وانتهاكاته؛  حيث دعا وزير الخارجية الأميركي (مايك بومبيو) السلطات المصرية إلى احترام حرية الصحافة. وقال (بومبيو) في مؤتمر صحفي الثلاثاء 26 نوفمبر/تشرين الثاني “نواصل، في إطار شراكتنا الاستراتيجية القائمة منذ أمد طويل مع مصر، إثارة الأهمية القصوى لاحترام حقوق الإنسان والحريات العامة والحاجة لمجتمع مدني قوي”.وفي برلين أصدرت الخارجية الالمانية الاثنين 25 نوفمبر بيانا ينتقد أوضاع الصحافة في مصر. وقالت المتحدثة باسم الوزارة، في مؤتمر صحفي “لا يوجد ما يبرر أسلوب تعامل السلطات المصرية مع ممثلي وسائل الإعلام المصريين والأجانب. وليس هناك أي سبب واضح وراء حجب موقع “مدى مصر” على الإنترنت وما يقارب (500) موقع إلكتروني آخر”. بل إن افتتاحية “واشنطن بوست” الأمريكية طالبت الكونجرس بفرض عقوبات على نظام السيسي مادام الرئيس( دونالد ترامب) يفرض حمايته لدكتاتوره المفضل.[5]

ثانيا، الخسارة الأكبر للنظام، أن ممارساته تؤكد أن مصر دخلت مرحلة “الحماية الأجنبية” وأن عملية التراجع عن اعتقال الزملاءــ وهو أمر مفرح بلا شك لكل صحفيــ  لكنه في ذات الوقت يكشف عن النفوذ الكبير الذي يتمتع به الأجانب في مصر، ولولا  وجود الصحفيين الأجانب من جنسيات مختلفة، ولولا التدخل الأجنبي الأمريكي والبريطاني والفرنسي لما تراجع النظام عن جريمته. كذلك لولا الحماية الأجنبية المشمولة للموقع  لما جرى الإفراج سريعا عن الزملاء. فعندما تم اعتقال حسام بهجت رئيس تحريره السابق، ومديره الحالي في وقت سابق؛ وقف الأمين العام للأمم المتحدة بنفسه ليقول إنه يشعر بالقلق للاعتقال، فهرولت سلطات العسكر وحكومة السيسي وأفرجت عنه، كما أفرجت عن زلط ورفاقه في التو والحال عندما صدرت لهم التعليمات بعد التدخل الأجنبي. هذا يذكرنا بتجربة سابقة عندما تم منع أمريكيين من السفر بقرار قضائي في فترة حكم المجلس العسكري، وفي القضية المعروفة إعلاميا بالتمويل الأجنبي، وكان واضحاً أن وراء هذا القرار مدير المخابرات الحربية عبد الفتاح السيسي، وسط زفة  إعلامية بهذا الموقف التاريخي. وبعد أيام صدر الأمر الأمريكي بإلغاء القرار حالاً، والسماح لهم بالسفر الآن، فتم الإفراج عنهم في التو والحال وبالمخالفة للقانون. نفس الأمر كرره السيسي بعد الغارة على “مدى مصر” حيث صدرت له أوامر أمريكية بريطانية فتراجع انصياعا للتهديدات وإذعانا للباب العالي الأمريكي. الأمر الذي دفع الكاتب “سليم عزوز” إلى التهكم من السيسي والسخرية من أنصاره قائلا:”يا له من دكر!”.[6]

ثالث الخسائر، هو كشف فضائح وعورات المؤسسة الأمنية والقضائية للنظام،فقد أصدرت نيابة أمن الدولة العليا مساء الاثنين، في أول تعليق على الواقعة،  بيانا مقتضبا  قالت فيه إنها “أصدرت إذنًا بتفتيش مقر الموقع في حي الدقي (غرب القاهرة) “، واتهمت الموقع بارتباطه بجماعة الإخوان المحظورة بالبلاد ونشر “شائعات”، وفق بيان نقلته وكالة الأنباء المصرية الرسمية.  وهو ما قوبل بعاصفة من الإدانة والسخرية والتأكيد على أن “النيابة” تحولت إلى أداة في يد السيسي وأجهزته الأمنية للانتقام من معارضيه، وأن الزج بالإخوان في الأزمة هو تدليس مفضوح وفبركة مكشوفة. ورغم نفي خارجية السيسي[7]وجود قيود على حرية العمل الصحفي ووصفها لما جرى مع “مدى مصر” بأن هناك أخبار غير دقيقة والزعم بأن جميع الإجراءات تمت وفقا للقانون وأن المكتب يعمل بدون ترخيص وما جرى هو مجرد تفتيش واستجواب وتحري، وأن السلطة القضائية مفردها هي المختصة بالنظر في مختلف القضايا المحالة إليها في هذا الشأن إلا أن ذلك لم ينطلِ على المؤسسات الدولية؛ فقد أصدرت منظمة العفو الدولية (مقرها لندن) تقريرا الأربعاء 27 نوفمبر 2019م، أكدت فيه أن نظام السيسي أقام نظاما موازيا للعدالة لقمع المنتقدين وإسكات المعارضة وأنه يستخدم في ذلك أربعة أجهزة أمنية وقضائية لاحتجاز الآلاف لسنوات بناء عل تهم مبهمة تتعلق بالإرهاب.[8] وهذه الأجهزة هي نيابة أمن الدولة العليا، وجهاز الأمن الوطني (أمن الدولة سابقا)، وقوات الشرطة الخاصة، ومحاكم مكافحة الإرهاب، مشيرة إلى أن هذه الأجهزة “ظهرت كنظام قضائي مواز لتوقيف المعارضين السلميين واستجوابهم ومحاكمتهم”.وحسب تقرير المنظمة، فإن القضايا التي نظرتها نيابة أمن الدولة العليا ضد معارضي النظام المصري ارتفعت من (529) قضية خلال عام 2013 إلى (1739) بنهاية 2018م. وانتقد مسؤول المنظمة عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البحوث والدفاع (فيليب لوثر) نيابة أمن الدولة العليا، وقال إنها “أصبحت أداة مركزية للقمع، وهدفها الأساسي -على ما يبدو- يتمثل في احتجاز وتخويف المنتقدين، وكل ذلك باسم مكافحة الإرهاب”. وقالت المكلفة بالحريات في منظمة العفو الدولية (كاتيا رو) إن تقرير المنظمة أظهر تورط مكتب النائب العام المصري في خرق الحقوق الإنسانية بشكل خطير، ومنها الإخفاء القسري والاعتقال التعسفي. وطالبت (كاتيا رو) حلفاء مصر الدوليين بعدم التضحية بمبادئ حقوق الإنسان من أجل مصالح اقتصادية وإستراتيجية وأمنية، حسب وصفها.

جرائم مفزعة ضد صاحبة الجلالة

جرائم نظام 30 يونيو بحق الصحافة لا حصر لها، وقطاع من أولئك الذين صفقوا لإغلاق صحف وفضائيات التيار الإسلامي وبرروا جرائم العسكر مسهم قرح مثله وباتوا مدركين أن 30 يونيو هي الثورة المضادة التي محت مكاسب 25 يناير بعشرات المذابح وأزيز الطائرات وهدير المدرعات والمجنزرات.

بعد الانقلاب بأيام، تم تشميع مقر صحيفة الحرية والعدالة، واقتحم من قبل موقع “الطريق” اليساري، في أكتوبر 2016، وتم احتجاز صحفييه لفترة، واقتحم موقع “مصر العربية” في إبريل 2018، وتم إغلاقه واعتقال رئيس تحريره  الكاتب عادل صبري منذ عامين، فلماذا سكت الأمريكان والأوروبيون؟

ووفقاً للأرقام الصادرة عن “لجنة حماية الصحفيين”، تحتل مصر المرتبة الثالثة كأسوأ بلد من حيث سجن الصحفيين. كما تراجعت مصر مركزين في مؤشر التصنيف العالمي لحرية الصحافة لمنظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2019، ووصلت إلى المركز (163) عالمياً بتراجع مركزين عن العام الماضي، ضمن قائمة تضم (180) دولة.

وكانت “الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان” وثقت وجود (54) صحافياً مقيدًا في كشوف النقابة في السجون المصرية، بينما يرتفع العدد في إحصاء “المرصد العربي لحرية الإعلام” إلى نحو (106) محتجزين (صحفيين ومراسلين ومصورين ميدانيين ومتدربين)، ما بين حبس حكمي أو حبس احتياطي. وبشأن قائمة الصحفيين السجناء الصادرة ضدهم أحكام قضائية، بلغ عددهم (29) صحافياً وإعلامياً، وفقًا لآخر حصر لـ”الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان”.

أما “المنظمة العربية لحقوق الإنسان” في بريطانيا فلفتت في آخر تقرير لها، في يوليو/تموز 2019، إلى أنه “منذ الثالث من يوليو/تموز عام 2013، أغلق أكثر من (20) وسيلة إعلامية، وأوقف العديد من الإعلاميين والكتّاب عن الكتابة والنشر، ورحّل صحافيين، واقتحم نقابتهم، واختطف صحافيين لجأوا إليها، ولفق تهماً لنقيب الصحفيين. وخلال ست سنوات تعرض (11) صحافياً للقتل، واعتقل أكثر من (250) صحافياً، لا يزال (29) منهم رهن الاعتقال، إضافة إلى إدراج أكثر من (45) صحافياً وإعلامياً في قوائم الإرهاب، وحجب الحكومة المصرية (535) موقعاً إخبارياً”.وفي الهجمة الأمنية الأخيرة التي لحقت باحتجاجات 20 سبتمبر/أيلول الماضي، اعتقلت قوات الأمن عشرة صحفيين، ضمن (4421 ) مواطناً قُبض عليهم على خلفية الاحتجاجات، وفق آخر حصر لـ”المفوضية المصرية للحقوق والحريات”.

خلاصة الأمر،أن الموقف الأمريكي والأوروبي لا يعبر مطلقا عن إيمان بحرية الصحافة والإعلام بقدر ما دفعتهم الظروف إلى مثل هذا الموقف المتشدد مع السيسي في أزمة “مدى مصر” لوجود صحفيين أجانب ولولا ذلك لما كان هذا الموقف؛ يؤكد ذلك أن النظام قد اعتقل الثلاثاء 25 نوفمبر (3) صحافيين هم سلافة مجدي وزوجها المصور حسام الصياد وزميلهما الصحفي محمد صلاح، وفجر الخميس 27 نوفمبر، تم اعتقال الصحفي في جريدة “روز اليوسف” الحكومية أحمد شاكر؛ ونظرا لعدم وجود حماية أجنبية لهم فلم يسأل عنهم أحد وتم الزج بهم في ظلمات سجون العسكر بتهم ملفقة وقررت النيابة حبسهم (15) يوما. ويبدو أن النظام بهذه الاعتقالات التالية للغارة على “مدى مصر” يقوم بعملية اختبار وجس نبض للموقف الأمريكي والأوروبي؛ فهل تدخلهم يختص بمدى مصر فقط أم أن مظلة الحماية الأجنبية سوف تمتد لتشمل الدفاع عن الجميع اتساقا مع القيم الديمقراطية التي يدعيها الغرب؟ أم أن الأمر على قديمه والمصالح تعلو على القيم عند الحكومات الغربية؛ وأن السيسي يزال يحظى بدعم واسع ما دام يفرض على شعبه استبدادا يحمي “إسرائيل” والمصالح الأمريكية والأوروبية؟

تم في السبت 30 نوفمبر 2019م

[1]«مدى مصر»: بيان ثانٍ بخصوص «اختطاف» زميلنا شادي زلطمدى مصر السبت 23 نوفمبر 2019

[2]بعد ساعات من اقتحام «مدى مصر»: أجهزة الأمن تخلي سبيل شادي زلط ولينا عطالله ومحمد حمامة ورنا ممدوحمدى مصر الأحد24 نوفمبر 2019

[3]كواليس تراجع السلطات عن التصعيد ضد صحافيي “مدى مصر”العربي الجديد الثلاثاء 26 نوفمبر 2019

[4]الاتحاد الأوروبي يدعو مصر لتمكين الصحفيين من العمل دون خوفوكالة الأناضول الاثنين 25 نوفمبر 2019م

[5]محمد المنشاوي/ إلى متى يصمت ترامب تجاه “ديكتاتوره المفضل”.. واشنطن تتساءل؟الجزيرة نت الخميس 28 نوفمبر 2019

[6]سليم عزوز/أزمة “مدى مصر”: “الدكر” في زمن الحماية الأجنبية!/  “عربي 21” الاثنين 25 نوفمبر 2019

[7]إثر انتقادات غربية.. القاهرة: لا نفرض قيودا على حرية الرأيوكالة الأناضول التركية الثلاثاء 26 نوفمبر 2019

[8]عبر 4 أجهزة أمنية وقضائية تحتجز الآلاف.. العفو الدولية: حكومة مصر تقيم نظاما موازيا للعدالةالجزيرة نت 27 نوفمبر 2019

اضف رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

2500 حالة يوميًّا.. الطلاق يهدد المجتمع المصري بالانهيار في عهد العسكر

تتزايد مشكلات المجتمع المصري منذ الانقلاب العسكري على أول رئيس مدني منتخب الشهيد محمد مرسي ...