التاريخ :

ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين – مقدمات

ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين – مقدمات
بتاريخ : الثلاثاء 18 فبراير 2014





مقدمة سيد قطب

مقدمة أبو الحسن الندوي

تصدير د. محمد يوسف موسى

كلمة أحمد الشرباصي

=====================

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مقدمة بقلم الباحث الإسلامي الأستاذ سيد قطب

ما أحوج المسلمين اليوم إلى من يرد عليهم إيمانهم بأنفسهم وثقتهم بماضيهم ورجاءهم في مستقبلهم .. وما أحوجهم لمن يرد عليهم إيمانهم بهذا الدين الذي يحملون اسمه ويجهلون كنهه، ويأخذونه بالوراثة أكثر مما يتخذونه بالمعرفة.

وهذا الكتاب الذي بين يدي: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" لمؤلفه (السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي) من خير ما قرأت في هذا الاتجاه ، في القديم والحديث سواء. 

إن الإسلام عقيدة استعلاء، من أخص خصائصها أنها تبعث في روح المؤمن بها إحساس العزة من غير كبر ، وروح الثقة في غير اعتزاز، وشعور الاطمئنان في غير تواكل. وأنها تشعر المسلمين بالتبعة الإنسانية الملقاة على كواهلهم، تبعة الوصاية على هذه البشرية في مشارق الأرض ومغاربها، وتبعة القيادة في هذه الأرض للقطعان الضالة، وهدايتها إلى الدين القيم، والطريق السوي، وإخراجها من الظلمات إلى النور بما آتاهم الله من نور الهدى والفرقان :

{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } ... { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } .

وهذا الكتاب الذي بين يدي يثير في نفس قارئه هذه المعاني كلها، وينفث في روعه تلك الخصائص جميعها، ولكنه لا يعتمد في هذا على مجرد الاستثارة الوجدانية أو العصبية الدينية ، بل يتخذ الموضوعية أداته، فيعرضها على النظر والحس العقل والوجدان جميعاً، ويعرض الوقائع التاريخية والملابسات الحاضرة عرضاَ عادلاَ مستنيراَ ،ويتحاكم في القضية التي يعرضها كاملة إلى الحق والواقع والمنطق والضمير، فتبدو كلها متساندة في صفة وفي صف قضيته، بلا تمحل ولا اعتساف في مقدمة أو نتيجة. وتلك مزية الكتاب الأولى.

إنه يبدأ فيرسم صورة صغيرة سريعة- ولكنها واضحة- لهذا العالم قبل أن تشرق عليه أنوار الإسلام الأولى. رسم الصورة لهذا العالم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، من الهند و الصين إلى فارس والروم، صورة المجتمع وصورة الضمير في هذه الدنيا العريضة، في الجماعات التي تظلها الديانات السماوية، كاليهودية والمسيحية، والتي تظلها الديانات الوثنية، كالهندوكية والبوذية والزرادشتية .. وما إليها .. 

إنها صورة جامعة تعرض رقعة العالم وتصفها وصفاً بيناً، لا يعتسف المؤلف فيه، ولا يستبد به، إنما يشرك معه الباحثين والمؤرخين من القدامى والمحدثين ، ممن يدينون بغير الإسلام ، فلا شبهة في أن يكونوا مغرضين له ، وللدور الذي أداه في ذلك العالم القديم .

إنه يصف العالم تسيطر عليه روح الجاهلية ، ويتعفن ضميره ، وتأسن روحه ، وتختل فيه القيم والمقاييس ، ويسوده الظلم والعبودية ، وتجتاحه موجة من الترف الفاجر والحرمان التاعس ، وتغشاه غاشية من الكفر والضلال والظلام ، على الرغم من الديانات السماوية ، التي كانت فد أدركها التحريف ، وسرى فيها الضعف ، وفقدت سيطرتها على النفوس ، واستحالت جامدة ، لا حياة فها ولا روح ، وبخاصة المسيحية. 

... فإذا فرغ المؤلف من رسم صورة العالم بجاهليته هذه ، بدأ يعرض دور الإسلام في حياة البشرية . دوره في تخليص روح البشر من الوهم والخرافة ، ومن العبودية والرق ، ومن الفساد والتعفن ، ومن القذارة والانحلال ، ودوره في تخليص المجتمع الإنساني من الظلم والطغيان، ومن التفكك والانهيار ، ومن فوارق الطبقات واستبداد الحكام واستذلال الكهان ، ودوره في بناء العالم على أسس من العفة والنظافة والإيجابية والبناء ، والحرية والتجدد ، ومن المعرفة واليقين ، والثقة والإيمان . والعدالة والكرامة ، ومن العمل الدائب لتنمية الحياة وترقية الحياة ، وإعطاء كل ذي حق حقه في الحياة .

كل أولئك في إبان الفترة التي كانت القيادة فيها للإسلام في أي مكان ، والتي كان الإسلام فيها يعمل ، وهو لا يستطيع أن يعمل أن يعمل ألا أن تكون له القيادة ، لأنه بطبيعته عقيدة استعلاء ، ومنهج قيادة ، وشرعة ابتداع لا إتباع .

ثم تجيء الفترة التي فقد الإسلام فيها الزمام ، بسبب انحطاط المسلمين ، وتخليهم عن القيادة التي يفرضها عليهم هذا الدين ، والوصاية التي يكلفهم بها على البشرية ، والتبعات التي ينوطها بهم في كل اتجاه .

وهنا يستعرض المؤلف أسباب هذا لانحطاط الروحية والمادية ، ويصف ما حل بالمسلمين أنفسهم عندما تخلوا عن مبادئ دينهم ، ونكصوا عن تبعاتهم ، وما نزل بالعالم كله من فقدانه لهذه القيادة الراشدة ، ومن انتكاسه إلى الجاهلية الأولى ، ويرسم خط الانحدار الرهيب الذي ترتكس فيه الإنسانية في ذات الوقت الذي تفتح فيه آفاق العالم الباهرة . يرسم هذا الخط عن طريق التأمل الفاحص ، لا بالجمل النارية والتعبيرات المجنحة . فالحقائق الواقعة ، كما عرضها المؤلف غنية عن كل بهرج وكل تزويق .

ومن خلال هذا الاستعراض ، يحس القارئ ، بمدى الحاجة البشرية الملحة إلى تغيير القيادة الإنسانية ، وردها إلى الهدى الذي انبثق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ومن الجاهلية إلى المعرفة ، ويشعر بالقيمة الكلية لوجود هذه القيادة في الأرض ، وبمدى الخسارة التي حلت بالبشر جميعاً ، لا بالمسلمين وحدهم في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل القريب والبعيد .

كذلك يثور في نفس لمسلم بصفة خاصة روح الندم ، على ما فرّط ، وروح الاعتزاز بما وُهب وروح الاستشراف إلى القيادة التي ضيَّع .

ولعله مما يلفت النظر تعبير المؤلف دائماً عن النكسة التي حاقت بالبشرية كلها منذ أن عجز المسلمون عن القيادة بكلمة " الجاهلية " .

وهو تعبير دقيق الدلالة على فهم المؤلف للفارق الأصيل بين روح الإسلام ، والروح المادي الذي سيطر على العالم قبله ، ويسيطر عليه اليوم بعد تخلي الإسلام عن القيادة .. إنها (الجاهلية) في طبيعتها الأصلية ، فالجاهلية ليست فترة من الزمن محدودة ، ولكنها طابع روحي وعقلي معين ، طابع يبرز بمجرد أن تسقط القيم الأساسية للحياة البشرية ، كما أرادها الله ، وتحل محلها قيم مصطنعة تستند إلى الشهوات الطارئة ، وهذا ما تعانيه البشرية اليوم في حالة الارتقاء الأولى ، كما كانت تعانيه من قبل في أيام البربرية الأولى .

فرسالة العالم الإسلامي هي الدعوة إلى الله ورسوله والإيمان باليوم الآخر. وجائزته هي الخروج من الظلمات إلى النور ، ومن عبادة الناس إلى عبادة الله وحده والخروج من ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام . وقد ظهر فضل هذه الرسالة . وسهل فهمها في هذا العصر أكثر من كل عصر ، فقد افتضحت الجاهلية ، وبدت سوأتها للناس ، واشتد تذمر الناس منها ، فهذا طور انتقال العالم من قيادة الجاهلية إلى قيادة الإسلام ، لو نهض العالم الإسلامي ، واحتضن هذه الرسالة بكل إخلاص وحماس وعزيمة ، ودان بها (( كالرسالة الوحيدة التي تستطيع أن تنقذ العالم من الانهيار والانحلال )) ، كما يقول المؤلف الفاضل قرب نهاية الكتاب .

وأخيراً ، فإن الخصيصة البارزة في هذا الكتاب كله هي الفهم العميق لكليات الروح الإسلامية في محيطها الشامل وهو لهذا لا يعد نموذجاً للبحث الديني والاجتماعي فحسب ، بل نموذجاً للتاريخ كما ينبغي أن يكتب من الزاوية الإسلامية.

لقد مضى الأوربيون يؤرخون للعالم كله من زاوية النظر الغربية ، متأثرين بثقافاتهم المادية ، وفلسفتهم المادية ، ومتأثرين كذلك بالعصبية الغربية والعصبية الدينية – شعروا بذلك أم لم يشعروا ومن ثمَّ وقعت في تاريخهم أخطاء وانحرافات ، نتيجة إغفالهم لقيم كثيرة في هذه الحياة لا يستقيم تاريخ الحياة ولا يصح تفسير الحوادث والنتائج بدونها ، ونتيجة عصبيتهم التي تجعل أوروبا في نظرهم هي محور العالم ومركزه دائماً ، ولإغفالهم العوامل الأخرى التي أثرت في تاريخ البشرية ، أو التهوين من شأنها إذا لم يكن مصدرها هو أوروبا . 

ولقد درجنا نحن على أن نتلقف التاريخ من أيدي أوربا كما نتلقف كل شيء آخر نتلقفه بأخطائه تلك ، وهي أخطاء في المنهج بإغفال قيم كثيرة وعوامل كثيرة ، وأخطاء في التصوير نتيجة النظر من زاوية واحدة للحياة البشرية ، وأخطاء في النتائج تبعاً للأخطار المنهجية والتصويرية.

وهذا الكتاب الذي بين يدي نموذج للتاريخ الذي ينظر للأمور كلها ، وللعوامل جميعها ، وللقيم على اختلافها . ولعل القارئ لم يكن ينتظر من رجل مسلم ، واثق بقوة الروح الإسلامي ، متحمس لرد القيادة العالمية إليه ، أن يتحدث عن مؤهلات القيادة ، فلا ينسى بجوار (الاستعداد الروحي) أن يلح في (الاستعداد الصناعي ولحربي) و (التنظيم العلمي الجديد)وأن يتحدث عن (الاستقلال التجاري والمالي ) . 

إنه الإحساس المتناسق بكل مقومات الحياة البشرية . وبهذا الإحساس المتناسق سار في استعراضه التاريخي ، وفي توجيهه للأمة الإسلامية سواء ، ومن هنا يعد هذا الكتاب نموذجاً للتاريخ ، كما يجب أن يتناوله المسلمون مستقلين . عن التأثر بالطريقة الأوروبية ، التي ينقصها هذا التناسق وهذه العدالة وهذا التحقيق  .

وإنه ليسعدني أن أتحدث عن هذا الكتاب بذلك الإحساس ذاته ، وأن أسجل هذه الظاهرة ، وأنا مغتبط بهذه الفرصة التي أتاحت لي أن أطلع عليه في العربية .. اللغة التي آثر صاحبه أن يكتبه بها ، وأن ينشره في مصر للمرة الثانية : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ }   سيد قطب

========================

 مقدمة الطبعة الرابعة

الحمد لله ، وسلام على عباده الذين اصطفى .

أما بعد ، فقد ظهرت الطبعة الأولى لكتاب (( ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين )) سنة 1950 م فكان الإقبال عليه عظيماً تخطى قياس المؤلف ورجاءه ، فقد كان كتاباً لا يسترعي اهتمام القراء إلا موضوعه- الذي يكاد يكون طريفاً- وما يحتوي عليه من مادة ومعنى ، ولم يكن من ورائه شخصية المؤلف وشهرته ، فلم يكن قد ظهر لمؤلفه كتاب آخر قبل هذا الكتاب في العالم العربي ، ولم يعرفه الناس في هذه الأقطار . فكانت العناية بهذا الكتاب عناية خالصة مجردة للكتاب وللموضوع، ليس فيها نصيب لشخصية المؤلف وشهرته.

ولا يُعلَّل هذا الإقبال النادر الذي حظي به الكتاب إلا بفضل الله تعالى ولطفه ، وبعد ذلك بأنّ هذا الكتاب قد جاء في أوانه ، وصادف رغبة غامضة واتجاهاً مبهماً في النفوس ، وبأنه يتجاوب مع شعور كثير من المفكرين والمثقفين في العالم لعربي ، ويلتقي مع أفكارهم وآرائهم ودراستهم .  

 وعلى كُلٍّ فقد كان الكتاب واسع الانتشار في العواصم العربية والأوساط العلمية ، وتناولته طبقات الأمة وبعض قادة الفكر بالدراسة والبحث ، وأشار المربون والمعلمون على الشباب بمطالعة هذا الكتاب ، والحمد لله الذي بعزّته وجلاله تتم الصالحات .

وقد قامت لجنة التأليف والترجمة والنشر في القاهرة بالطبعة ، وكان لها- ولاشك- فضل في ظهور هذا الكتاب في مظهر جميل لائق ، وفي نفوذه في الأوساط العلمية والأدبية ، وحرصت جماعة الأزهر للنشر والتأليف- وفيها أصدقاء المؤلف- على إعادة طبع الكتاب ، فصرّحت لها بذلك ، ووافق عليه المرحوم الأستاذ  الكبير الدكتور أحمد أمين (بك) رئيس اللجنة فظهرت الطبعة الثانية سنة 1951 م ، وفيها مقدمات للدكتور محمد يوسف موسى ، والكاتب الإسلامي الأستاذ سيد قطب ، وصديق المؤلف الشيخ أحمد الشرباصي ، زادت في قيمة الكتاب .

ظهرت الطبعة الثانية ، وأنا في جولتي في الشرق الأوسط ، فلم أتمكن من أن أضيف إليها زيادات كنت أفكر فيها وأشعر بالحاجة إليها ، وهيأ الله أسباب الطبعة الثالثة ، ووقعت إليّ مصادر جديدة ، وجدّ عندي بعض الآراء ونواح جديدة فألحقتها بالكتاب ، وتأخرت هذه الطبعة لبعض الأسباب إلى سنة 1959 م ، ونفدت في مدة قريبة ، وها هي الطبعة الرابعة مزيدة منقحة . 

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذه الطبعة- وما يليها من طبعات إن شاء الله – كما نفع بالطبعات الأولى(1) ، وأن يجعل هذا الكتاب وسيلة للوعي الجديد ، والإيمان الجديد الذي تشتد حاجة العالم الإسلامي إليه ، إنه على كل شيء قدير.

أبو الحسن علي الحسني الندوي

لكهنؤ (الهند)

================================



تصدير بقلم فضيلة الأستاذ

الدكتور محمد يوسف موسى

اتصال السماء بالأرض لأداء رسالة من الله المتفرد في سموه وعليائه ، إلى عبيده المحتاجين لهديه وإرشاده ، حدث من الأحداث العظام ، وخرق لنواميس الطبيعة التي لا تتغير من طريقها المرسوم إلا حين الحاجة القصوى ، ولغاية قدرها العزيز العليم .

وليس يحدث أو يكون أمر في هذا العالم إلا عن سبب اقتضى حدوثه وكونه ، ولغاية أريدت منه.

وظهور الإسلام ، وهو أعظم ما رأى العالم من أحداث ، لا بد له من أسبابه التي استلزمته ، وممهداته التي أعدت له ، وغايته التي تنتظر دائماً منه .

ولسنا الآن بسبيل الحديث ، ولو بالإيجاز الشديد ، عن هذه الأسباب والممهدات التي أعدت لظهور الإسلام ، بعد أن خلا العالم الذي كان معروفاً حينذاك من المجتمع الصالح والدين الصحيح ، ولسنا كذلك بسبيل الحديث عن الغاية التي جاء الإسلام من أجلها ، وعمل نبيه ورجاله الأولون جاهدين على الوصول إليها ، فسعد به العالم ، زمناً طويلاً كل ذلك معروف ، يصبح الكلام فيه حديثاً معاداً ، ولا محل لمثل هذا الحديث الآن في الكلمة التي يسعدني أن أقدم بها لهذا الكتاب ، استجابة لطلب مؤلفه صديقنا الأستاذ الجليل السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي ، أحد دعاة الإسلام من الطراز الأول في هذا العصر الذي نعيش فيه .

على أن الكتاب في غير حاجة حقاً لتقدمة مقدم ، فقد تقبله القراء بقبول حسن ، وخصوه بحفاوة لم يظفر بها كتاب ظهر عن الإسلام في هذه الأيام ، وإنما هو تواضع وفضل من المؤلف المؤمن الصادق الإيمان جعلاه يطلب مني هذه الكلمة ، وأشهد أني قرأت الكتاب حين ظهرت طبعته الأولى في أقل من يوم ، وأغرمت به غراماً شديداً ، حتى لقد كتبت في آخر نسختي وقد فرغت منه (( إن قراءة هذا الكتاب فرض على كل مسلم يعمل لإعادة مجد الإسلام )) ، وكل هذا قبل أن أعرف المؤلف الفاضل ، فلما سعدت بمعرفته والحديث معه مرات عديدة ، فهمت كيف ولماذا فتنت بالكتاب ، وعرفت أن مرد هذا كله- فوق ما فيه من ثمرات التوفر على البحث ونشدان الحق- إلى معرفة الكاتب بالإسلام معرفة حقه وأخ نفسه في حياته به ، والإخلاص في الدعوة الصحيحة له .

لقد أحس صديقنا الفاضل أبو الحسن ما نحسه جميعاً في حسرة بالغة ، وألم شديد ، وهو ما ارتضته الدول الإسلامية لنفسها من السير في المؤخرة وراء العالم الغربي ، تميل إلى ما يميل ، وتقبل حكمه فيما يعرض له من شؤونها ، وترضى ما يقره من (قيم) حسب موازينه الخاصة به .وكان من هذا أن فقد العربي- والمسلم بعامة- ثقته بنفسه وجنسه ودينه ومعاييره ، وقيمه العالية التي كان يحرص عليها أجداده وأسلافه الأماجد ، ويحلونها من أنفسهم المكان العلي المرموق . وهذه علتنا التي يجب أن نطب لها ، وفي ذلك تتركز مشكلتنا ، أو مشاكلنا التي يجب علينا أن نجد الحل الناجع لها من صميم ديننا وتاريخنا وتراثنا الروحي العقلي الخالد ، وإلى هذا كله نظر مؤلف كتاب "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" ، وإليه جميعه عنى نفسه وعمل جهده . 

حقاً ليست مشكلة العالم الإسلامي اليوم في عدم الدعاوة للإسلام بين غير المسلمين ، ولا في اكتساب مسلمين جدد وإنما هذه المشكلة هي انصراف المسلمين عن الإسلام ، وعن الشرق إلى الغرب بحضارته وقيمه التي يدعو إليها وموازينه التي بها يزن الأمور .ومن ثمَّ صرنا مسلمين بالاسم الولادة والموقع الجغرافي فحسب ، وعزفنا عن الإسلام بالفعل ، حتى أصبحنا ولا نعرفه في تشريعنا وتقاليدنا التي نأخذ هذه الأيام أنفسنا بها ، ولسنا في حاجة في هذا لضرب الأمثال التي نحسها ونلمسها جميعاً في رجال الحكم ، وفي ممثلي البلاد الإسلامية في الشرق والغرب ، وفيمن يجب أيكون القدوة الطيبة بحكم مناصبهم الدينية في مصر وغير مصر ، والأمر لله من قبل ومن بعد .

ولقد اختتم الله بالإسلام رسالاته للعالم ، فليس لنا أن ننتظر اتصالاً جديداً من السماء بالأرض يطهرها مما كاد يعمها من شرك وضلال وفساد ، ولا نبياً آخر بعد رسول الإسلام ، يخرج العالم برسالة جديدة من الظلمات إلى النور ، ولا قرآناً جديداً يهدي الإنسانية الحائرة إلى سبيل الرشد والسعادة . ولكن الله الرحمن الرحيم ترك فينا بعد هذا ، أو بسبب هذا ، كتاباً لن يضل من اتبعه ، وشريعته لن يشقى من عمل بها .

وكل ما يجب أن نعمل له ، لنخرج والعالم كله من هذه الجاهلية التي احتوتنا من جميع الأطراف ، هو إعادة الثقة بديننا حتى يكون أساس حياتنا في كل مقوماتها ، وليس لنا أن نطلب من أحد أن يؤمن بهذا الدين قبل أن نؤمن نحن أولاً به ، ولن يكون هذا الإيمان إلا بالقدوة الطيبة الصالحة نقدمها للناس جميعاً .

إن العالم ، وهذا أمر لمسناه بأنفسنا لمساً بأوربا ، يتخذ من فشل المسلمين سياسياً واقتصادياً دليلاً حاسماً على عدم صلاح الإسلام لقيادة المسلمين بله العالم كله ! مع أن هذا العالم المسيحي نفسه حين كان المسلمون مسلمين حقاً من ناحية العقيدة والعمل على السواء ، قد تزعزع عن مسيحيته عندما شاهد ما أحرزته سيوف المسلمين من نجاح منقطع النظير ، إذ اعتقدوا- بحق – أن نجاح المسلمين هذا دليل قاطع على صدق دينهم ، مادام الله لا يؤتي نصره إلا لعباده المختارين(2) .

وليس ما نقول ، من أثر القوى الطيبة الصالحة في الدعاوة للإسلام ، بالقول الذي لا يرتكز على دليل وشواهد من التاريخ الصحيح . إن صاحب كتاب الدعوة إلى الإسلام نفسه يذكر ما يأتي حرفياً :

(( ويظهر أن أخلاق صلاح الدين ، وحياته التي انطوت على البطولة ، قد أحدثت في أذهان المسيحيين في عصره تأثيراً سحرياً خاصاً ، حتى أن نفراً من الفرسان المسيحيين ، قد بلغ من قوة انجذابهم إليه ، أن هجروا ديانتهم المسيحية ، وهجروا قومهم وانضموا إلى المسلمين ، وكذلك كانت الحال عندما طرح النصرانية فارس انكليزي من فرسان المعبد يدعى (( روبرت أوف سانت ألبانس )) Robert of St. Albans عام 1185 م واعتنق الإسلام ، ثم تزوج بإحدى حفيدات صلاح الدين وبعد عامين غزا صلاح الدين ((فلسطين)) وهزم الجيش المسيحي هزيمة منكرة في واقعة((حطين)) وكان جوي Guy ملك بيت المقدس بين الأسرى.

وحدث في مساء المعركة أن ترك الملك ستة من فرسانه ، وفروا إلى معسكر صلاح الدين  بمحض إرادتهم(3) )) .

هذا شاهد من الشواهد التي لا تحصى كثرة ، والتي تزخر بها كتب التاريخ في القديم والحديث ، ومنها نعلم أثر القدوة الطيبة في النفوس ، حتى في نفوس غير المسلمين الذين كنا نراهم خصوماً لنا وأعداء ، ومنها نعلم أيضاً سبباً من الأسباب القوية التي يسرت للمسلمين ما فتح الله عليهم من فتوح ، وما ظفروا به من أمجاد .

إن هذا الإسلام لا يصلح اليوم إلا بما صلح به في الأمس ، إيمان به إيماناً يخالط شغاف قلب المؤمن ، واستعذاب للتضحية في سبيله بما يعتز به المرء من مال ونفس ، واعتزاز بما جاء به من تشاريع ومبادئ وتقاليد صالحة لإنهاض العالم وإسعاده ، ودعوة له بالعمل الصالح والقوى الطيبة ، وعدم القضاء إلا بحكمه ، وجعل الحياة في كل جوانبها لا تقوم إلا عليه .

علينا إذا أردنا أن نأخذ مكاننا من جديد في قيادة الإنسانية أن نعتقد اعتقاداً حقاً يظهر أثر في كل ما نقول أو نعمل- ما يراه شاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال من أن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار ، ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار ، بل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدينة ، ويفرض على البشرية اتجاهه ، ويملي عليها إرادته ، لأنه صاحب الرسالة وصاحب العلم اليقين . ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه . فليس مقامه مقام التقليد والإتباع إن مقامه مقام الإمامة و القيادة ومقام الإرشاد والتوجيه . ومقام الآمر الناهي . وإذا تنكر له الزمام ، وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادة ، لم يكن له أن يستسلم ويخضع ويضع أوزاره ويسالم الدهر ، بل عليه أن يثور عليه وينازله . ويظل في صراع معه وعراك ، حتى يقضي الله في أمره . إن الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة ، ولاعتذار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والأقزام . أما المؤمن القوي فهو بنفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد(4) . 

وبعد : ماذا أريد أن أقول بعد ذلك في هذه الكلمة التي أحسبها طالت بعض الشيء في تقديم كتاب هو بنفسه وبكاتبه غني عن كل تقديم ، كما قلت في أول الحديث ؟ .

إني- علم الله- لست أذكر فيما قرأت من القديم والحديث كتاباً حوى من الخير ما حواه هذا الكتاب ، ولا كتاب وضع أيدينا على دواء ما نشكو منه من أدواء وأمراض ، كما فعل هذا الكتاب ، ولا كتاباً نفذ كاتبه إلى روح الإسلام ، وأخلص ويخلص في الدعوة له ، ويقف كل جهوده على هذا السبيل كهذا الكتاب . 

علينا إذاً أن نفيد من هذا الكتاب ، ومن الوسائل التي يدعو مؤلفه الفاضل لاصطناعها ، لنصل إلى النهضة المرجوة ، والكرامة والمجد في هذه الحياة ، وفي الحياة الأخرى ، وذلك ما لا يكون لنا إلا إذا غيرنا من أوضاع التعليم ومناهجه غاياته عندنا ، وإلا إذا جعلنا همنا تربية النشء على أسس إسلامية صحيحة ، وجعلنا الغاية من التربية والتعليم عندنا النهضة بالعالم الإسلامي حتى يصل إلى ما يجب أن يكون له من مكانة ملحوظة في هذا العالم ، واصطنعنا لهذا ، الوسائل الناجعة حقاً .

إن هذا ، حين يتم ، إن أراد الله لأمة الإسلام إفاقة من نومها ، ونهضة من كبوتها ، يجعل من تلاميذ رجالات مسلمين حقاً في المستقبل ، يحسنون تصريف شؤون الأمة حين توضع أمور الأمة بين أيديهم ، ويجعل منهم رجالاً شجعاناً أمناء لدينهم وأمتهم ، لا هم لهم في حياتهم إلا إعادة مجد الإسلام ، والعالم الإسلامي .

والوسائل الناجعة للوصول إلى تلك الغاية المجيدة من التربية والتعليم جد كثيرة ومعروفة إن أردناها ، ولكن يحسن أن نختم هذه الكلمة بقبس من كلام الأستاذ أبي الحسن الندوي نفسه ، إنه يقول : 

(( والقرآن وسيرة محمد صلى الله عليه وسلم قوتان عظيمتان تستطيعان أن تشعلا في العالم الإسلامي نار الحماسة والإيمان ، وتحدثا في كل وقت ثورة عظيمة على العصر الجاهلي وتجعلا من أمة مستسلمة منخذلة ناعسة ، أمة فتية ملتهبة حماسة وغيرة وحنقاً على الجاهلية ، وسخطاً على النظم الخائرة . إن علة علل العالم الإسلامي اليوم هي الرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان بها . والارتياح إلى الأوضاع الفاسدة . والتبذير الزائد في الحياة . فلا يقلقه فساد . ولا يزعجه انحراف . ولا يهيجه منكر . ولا يهمه غير مسائل الطعام واللباس . ولكن بتأثير القرآن والسيرة النبوية . إن وجدا إلى القلب سبيلاً . يحدث صراع بين الإيمان والنفاق . واليقين والشك . بين المنافع العاجلة والدار الآخرة ، وبين راحة الجسم ونعيم القلب ، وبين حياة البطولة وموت الشهادة . صراع أحدثه كل نبي في وقته . و يصلح العالم إلا به . حينئذ يقوم في كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي . في كل أسرة إسلامية { ِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى{13} وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً } . هنالك تفوح روائح الجنة ، وتهب نفحات القرن الأول . ويولد للإسلام عالم جديد لا يشبه العالم القديم في شيء )) ! .

من هذه الكلمات التي قبسناها من هذا الكتاب الذي نكتب هذا التقديم له ، نرى أي روح كبيرة أملت على المؤلف ما كتب ! نفع الله به وبكل آثاره ، وجزاه عن الإسلام وأمته خير الجزاء .

محمد يوسف موسى 

********************************

 صورة وصفية :

أخي أبو الحسن ! ..

بقلم فضيلة الأستاذ أحمد الشرباصي

ت أخي أبا الحسن أول مرة في شتاء سنة 1951 م ، بدار (الشبان المسلمين) في القاهرة ، عقب محاضرة لي من (( محاضرات الثلاثاء )) وقد أقبل علي يطلب في أدب جم وتواضع ظاهر ليلة من ليالي الثلاثاء ، ليلقي فيها محاضرة عن ((العالم في مفترق الطريق)) .. فرأيت رجلاً نحيف البدن ، نحيل العود ، له لحية سمراء ، وملابسه قليلة خفيفة الوزن والثمن ، ونظراته عميقة نفاذة ، ونبراته دقيقة أخاذه فيها بحة ، عرفت فيما بعد أنها ملازمة له من جهد وإجهاد ، وبعد اللقاء الأول العاجل توثقت بيني وبينه أسباب الأخوة والمحبة ، وعن خبر به أكتب هذه السطور.

هو العالم المؤمن الداعية المحتسب السيد أبو الحسن علي الحسني الهندي الندوي ، من المنتسبين إلى عترة الحسن بن علي رضي الله عليهما ، ووالده هو الشريف العلامة عبد الحي بن فخر الدين بن عبد العلي ، ينتهي نسبه إلى عبد الله بن الأشتر بن محمد ذي النفس الزكية بن عبدالله المحض بن المحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب ، ولوالده كتب كثير من المطبوع ومنها المخطوط أشهرها ((نزهة الخواطر)) في ثمانية مجلدات(5) وقد توفي سنة 1341 هجرية .

وقد ولد السيد أبو الحسن في مديرية بالهند تسمى ((راي بريلي)) ، وهي تبعد عن ((لكهنؤ)) سبعين كيلو متراً  تقريباً ، وكانت الولادة بقرية ((تكية)) في شهر المحرم سنة 1332هـ ، مد الله في عمره وأدام به نفع الإسلام والمسلمين . 

وأسرة أخي أبي الحسن من أصل عربي ، لا تزال تحافظ على أنسابها إلى هذا اليوم وهي تحافظ على صلاتها بأصلها وإن كانت تتكلم الهندية وتعيش في الهند منذ قرون ، وتمتاز بالمحافظة على التوحيد والسنة والبعد عن البدع والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله ، وللسيد أبي الحسن أخ أكبر منه هو السيد الدكتور عبد العلي عبد الحي(6) وهو طبيب ، وقد تخرج في ندوة العلماء ومعهد ديوبند ، كما تخرج في جامعة لكهنؤ بتفوق وامتياز ، فهو بذلك يجمع بين الثقافتين الدينية والعصرية ، وله فضل كبير في تربية السيد أبي الحسن وثقافته ، ويدير ندوة العلماء خلفاً لأبيه الراحل ... وقد تزوج السيد أبو الحسن منذ عشر سنوات من الأسرة نفسها ، لأن هذا تقليد محترم يعاقب من يخرج عليه .

بدأ السيد أبو الحسن تعلمه القرآن الكريم في البيت تعاونه أمه ، وأمه من فضليات النساء والسيدات الفاضلات الصالحات ، تحفظ القرآن ، وتكتب ، وتؤلف ثم تعلم اللغتين الأوردية والفارسية ، ثم بدأ وهو في الثانية عشرة من عمره يتعلم الإنجليزية والعربية معاً ، وبدأ تعلم العربية على الشيخ خليل بن محمد اليمني ، وتوفر سنتين كاملتين على دراسة الأدب العربي وحده ، وقرأ كثيراً من كتب الأدب ، وشغف بها على خلاف العادة يومئذ في الهند ، لأنهم يزهدون في الأدب العربي ، وعني عناية خاصة بالعكوف على كتب ثلاثة هي : نهج البلاغة ، ودلائل الإعجاز ، والحماسة ، ثم التحق بجامعة لكهنؤ ، وهي جامعة تدرس العلوم المدنية باللغة الإنجليزية ، وفيها قسم لآداب اللغة العربية التحق بها السيد أبو الحسن ، وكان يومئذ أصغر طلاب الجامعة سناً ، وضاق بدروس القواعد أولاً فأخره ذلك قليلاً ، ثم سار في تعلمه ممتازاً فائقاً سابقاً ، ثم أتم دراسته الأدبية على الدكتور الشيخ تقي الدين الهلالي المراكشي رئيس تدريس الأدب العربي في ندوة العلماء- وهي جمعية تشرف على دار العلوم هناك- ثم دخل الندوة ، ومكث بها سنتين يدرس علوم الحديث ، واستفاد كثيراً من شيخ الحديث الشيخ حيدر حسن خان . ومكث في دار العلوم ديوبند مدة شهور ، وحضر دروس العالم الكبير المجاهد الشيخ حسين أحمد المدني في الحديث .

وسافر إلى لاهور ، وقرأ التفسير على الشيخ أحمد علي المفسر المشهور ، ولم تكن دراسته في أغلب أدوارها دراسة نظامية بشهادات ، بل كانت دراسة حرة لوجه العلم والمعرفة ، ولما أتم دراسته رجع إلى لكهنؤ ، وعين مدرساً في دار العلوم هناك ، ومكث فيها عشر سنوات يدرس علوماً مختلفة ، واشتغل بجوار ذلك بالكتابة في مجلة " الضياء " العربية التي تصدرها ندوة العلماء ، ورئيس تحريرها الأستاذ مسعود الندوي ، واشتغل كذلك بالتأليف في الأوردية ، وأظهر كتابه (( سيرة السيد أحمد الشهيد )) فكان الإقبال عليه عظيماً حتى طبع ثلاث مرات .

ثم انتقل إلى دلهي ، والتقى بالداعية المجدد العظيم الشيخ محمد إلياس ، وكان هذا اللقاء نقطة تحول في حياة أبي الحسن ، لأن الشيخ محمد إلياس كان مرشداً شعبياً ، له صلة عميقة وثيقة بالجماهير عن طريق الدعوة إلى الله . وأبو الحسن لم يكن متصلاً بالشعب قبل ذلك ، بل كان مقتصراً على الدراسة والتأليف . فأخذ يتصل بأهل القرى والدساكر ، ويقوم برحلات إسلامية قد تستغرق الواحدة منها شهراً ، لنشر الدعوة في قرى الهند ومدنها ، وكان الشيخ إلياس- ولا يزال – هو مثل أبي الحسن الأعلى في الحكمة الدينية العميقة وفي قوة الإيمان لأن الشيخ إلياس -كما يقول أخونا- كان صورة من السلف الصالح ، وكان مخلصاً غيوراً ، يتألم لحال المسلمين ، ويعمل من أجلهم ، ويسير في شئونهم ، ويحترق بروحه القوية الوثابة في سبيلهم(7) .

وتلقى التربية الروحية من العارف الجليل المربي الكبير الشيخ عبد القادر الرأي يوري واستفاد من صحبته ومجالسته .

ورأس أبو الحسن تحرير مجلة " الندوة " العلمية التي كانت تصدر بالأوردية ، وكانت لسان حال الندوة ، وكلفته الجامعة الإسلامية في (عليكره) بوضع مناهج لطلبة (البكالوريا) في التعليم الديني ، فألف في ذلك كتاباً أسماه (إسلاميات) وقبلت الجامعة هذا الكتاب وأخذت به وكافأت صاحبه عليه ؛ ودعي لإلقاء محاضرات في الجامعة الملية الإسلامية بدلهي ، فألقى محاضرة في موضوع : (الدين والمدنية) كانت موضع الاستحسان ، ونشرت وكان لها تأثير واسع النطاق .

وألف في هذه الفترة كتباً لطلبة المدارس العربية في الهند ، منها كتاب " مختارات في الأدب العربي " وقد قررت دار العلوم في الهند وبعض الجامعات في تدريسه .  ومنها كتاب ((قصص النبيين )) في ثلاثة أجزاء ، وغير ذلك من الكتب ، وأصدر مجلة (التعمير) التي كانت تصدر بالأوردية مرتين في الشهر ، وأسس جمعية للتبشير بالإسلام بين الهندوس ، وأصدرت هذه الجمعية التبشيرية الإسلامية عدة رسائل وبحوث عن الملة الغراء باللغة الإنجليزية المنتشرة هناك . وأسس (المجمع الإسلامي العلمي) في لكهنؤ سنة 1960 م وله نشاط وإنتاج في اللغات الإنجليزية والهندية والأوردية والعربية ، ومطبوعات قيمة .

وأخي المفضال أبو الحسن له غرام أصيل عميق باقتناء الكتب ومسامرتها والحديث عنها . وأعز ما يحرص عليه من عرض الحياة هو كتبه . وأغلى ما يهدي إليه كتاب يرضيه ويغذيه ، ولا يقتني أبو الحسن الكتب ليزين بها داره ، بل ليهضمها قراءة وبحثاً ونقداً ، وكتاباته المختلفة فيها دلاله واضحة على ذلك ، وقد أفادته هذه المطالعات والمسامرات – بجوار الهبة والتجربة- فدرة على الارتجال بالعربية ، فهو يتدفق كالسيل بلغة بليغة فيها الصور البيانية والتعبير الجميل وأغلب محاضراته يستعد لها ، وكثيراً ما يكتبها ، وأسلوبه يغلب عليه العنصر العاطفي الملتهب  ومع ذلك إذا طرق باب البحث أجاد وأفاد وأمتع أيضاً ، وهو كما عرفت عنه وكما حدثني مراراً لا يحب أن يهجم على الحديث في موضوع ذي بال إلا إذا احتفل به وتهيأ له ، وليس ذلك عن قلة بضاعة ولكنه احتراس العالم الذي يريد أن يستيقن ويتثبت ! .. وقد غلب النثر على أبي الحسن فلم تطاوعه قريحته يوماً على نظم الشعر ...

وقد ظل الأستاذ أبو الحسن يمارس ألواناً من الألعاب الرياضية ككرة القدم والسباحة والصيد والهوكي والتنس ثم انقطع عنها أخيراً ، وعلى الرغم من هذا أصابته أمراض استمرت مدة طويلة ، وخاصة في الصدر ، ثم عافاه الله منها ، وبقي له سعال يعاوده من حين لآخر .

وهو يكره التصوير بجميع أنواعه ، ويحرمه على نفسه في تشديد ملحوظ ، ولقد زرت معه إحدى دور الطبع والنشر الكبرى بالقاهرة ، ورغب مصور الدار أن يلتقط لنا صوراً تذكارية فرفض أبو الحسن ، وأصر على الرغم من طول المحاولة والرجاء ، وذكر أن المسلمين في الهند (متفقون) على حرمة التصوير !! ..

ولقد سألته ذات مرة عن السابقين الذين تأثر بهم ، فأجابني بأنهم الإمام أحمد بن حنبل صاحب الموقف المعروف في المحنة ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، والشيخ أحمد السر هندي (من سر هند ، بلد في البنجاب) المتوفى سنة 1024هـ صاحب الرسائل الخالدة في الشريعة والحقيقة ومحاربة البدع ، والمجدد للملة ، ولشيخ ولي لله الدهلوي المتوفى سنة 1176هـ الباحث الإسلامي العظيم صاحب (حجة الله البالغة) والصاحب أحمد الشهيد مؤسس أول دولة شرعية في الهند في القرن الثالث عشر الهجري(8) ، وقد استمرت هذه الدولة عدة شهور ، ثم ثار عليها الإنجليز بمؤامراتهم فأخذوا عليها الطريق .

وأعظم آمال أبي الحسن أن يرى الإسلام سائداً على الأرض ، وأن يرى الدول الباغية معذبة مقهورة حتى يسلي نفسه ويستبشر ويرى انتقام الله من الذين حاربوا الإسلام وأذلوا المسلمين وهو يعتقد ويرى أن بقاء القلة المسلمة في الهند من الخير ، وفيه فائدة ترجى للهند ، فلعل للإسلام مستقبلاً ذا بال هناك ، ولقد رحل أبو الحسن إلى الحجاز في سنتي 1947-1950 م وقدم إلى مصر سنة 1951 م ، وطوّف بأغلب العالم الإسلامي ، فرأى وشاهد(9) ودرس وكتب وحاضر وخطب ، وكان له في كل أرض نزل بها مجهود وجهود وعهود .

وقد اختير عضواً مراسلاً في المجمع العلمي العربي بدمشق سنة 1957 م . ودعي لإلقاء محاضرات كأستاذ زائر في جامعة دمشق 1956 م (10) .

وقد سألته وهو بيننا في مصر عن حسنات مصر ، فقال موجزاً : الإيمان بالله والدين ، والمحبة للمسلم خاصة إذا كان غريباً ، ورقة القلب ، وسلامة الصدر ، وكثرة الأعمال المنتجة ... ثم سألته عن السيئات فتحرج ثم أجاب : السفور ، وعدم التستر ، والصور الخليعة في الصحف والمجلات ، واستهانة بعض العلماء ببعض المحرمات ، وعدم المحافظة على الجماعات في المساجد برغم كثرتها ، والاندفاع في تقليد الحضارة الغربية بلا تبصر .

وأخي أبو الحسن بعد هذا كله عدو للمظاهر الكاذبة ، يتخفف في ثيابه وطعامه وفراشه ، ويكره التكلف والمجاملة الزائدة ، ولا يقيم للمال وزناً في حياته ، وثقته بربه فوق كل شيء ، ومثابرته على النضال في سبيل ما يؤمن به مضرب الأمثال ، وإخلاصه العميق سر نجاحه بينما يفشل الآخرون . 

لقد طال الكلام ، ومع ذلك لم أقل كل شيء عن أخي أبي الحسن ! ..

أحمد الشرباصي

المدرس بالأزهر الشريف




تابع أيضاً


تعليقات الزوار