التاريخ :

ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين - العصر الإسلامي

ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين - العصر الإسلامي
بتاريخ : الثلاثاء 18 فبراير 2014





الباب الثالث

العصر الإسلامي 

الفصل الأول عهد القيادة الإسلامية

الفصل الثاني الانحطاط في الحياة الإسلامية 

الفصل الثالث دور القيادة العثمانية 





الفصل الأول 

عهد القيادة الإسلامية 

الأئمة المسلمون وخصائصهم :

ظهر المسلمون وتزعموا العالم وعزلوا الأمم المريضة من زعامة الإنسانية التي استغلتها وأساءت عملها ، وساروا بالإنسانية سيراً حثيثاً متزناً عادلاً ، وقد توفرت فيهم الصفات التي تؤهلهم لقيادة الأمم ، وتضمن سعادتها وفلاحها في ظلهم وتحت قيادتهم .

أولاً : أنهم أصحاب كتاب منزل وشريعة إلهية ، فلا يقننون ولا يشترعون من عند أنفسهم ، لأن ذلك منبع الجهل والخطأ والظلم ، ولا يخبطون في سلوكهم وسياستهم ومعاملتهم للناس خبط عشواء ، قد جعل الله لهم نوراً مشون به في الناس ، وجعل لهم شريعة يحكمون بها بين الناس {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا } وقد قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } .

ثانياً : أنهم لم يتولوا الحكم والقيادة بغير تربية خلقية وتزكية نفس ، بخلاف غالب الأمم والأفراد ورجال الحكومة في الماضي والحاضر ، بل مكثوا زمناً طويلاً تحت تربية محمد صلى الله عليه وسلم وإشرافه الدقيق يزكيهم ويؤدبهم ويأخذهم بالزهد والورع والعفاف والأمانة والإيثار على النفس وخشية الله وعدم الاستشراف للإمارة والحرص عليها . يقول : ((إنا والله لا نُولي هذا العمل أحداً سأله ، أو أحداً حرص عليه(171) ))، ولا يزال يقرع سمعهم : {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } فكانوا لا يتهافتون على الوظائف والمناصب تهافت الفراش على الضوء ، بل كانوا يتدافعون في قبولها ويتحرجون من تقلدها ، فضلاً عن أن يرشحوا أنفسهم للإمارة ويزكوا أنفسهم وينشروا دعاية لها وينفقوا الأموال سعياً وراءها ، فإذا تولوا شيئاً من أمور الناس لم يعدوه مغنماً أو طعمة أو ثمناً لما أنفقوا من مال أو جهد ، بل عدوه أمانة في عنقهم وامتحاناً من الله ، ويعلمون أنهم موقوفون عند ربهم ومسئولون عن الدقيق والجليل ، وتذكروا دائماً قول الله تعالى :

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ } وقوله : {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ }. 

ثالثاً : أنهم لم يكونوا خدمة جنس ، ورسل شعب أو وطن ، يسعون لرفاهيته ومصلحته وحده ويؤمنون بفضله وشرفه على جميع الشعوب والأوطان ، لم يخلقوا إلا ليكونوا حكاماً ، ولم تخلق إلا لتكون محكومة لهم ، ولم يخرجوا ليؤسسوا إمبراطورية عربية ينعمون ويرتعون في ظلها ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها ، ويخرجون الناس من حكم الروم والفرس إلى حكم العرب وإلى حكم أنفسهم . إنما قاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد جميعاً وإلى عبادة الله وحده ، كما قال ربعي بن عامر رسول المسلمين في مجلس يزدجرد : (( الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ،ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام(172) )) فالأمم عندهم سواء والناس عندهم سواء ، الناس كلهم من آدم ، وآدم من تراب ، لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(173) } .

وقد قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص عامل مصر- وقد ضرب ابنه مصرياً ، وافتخر بآبائه قائلاً : خذها من ابن الأكرمين ، فاقتص منه عمر- : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً (174). فلم يبخل هؤلاء بما عندهم من دين وعلم وتهذيب على أحد ، ولم يراعوا في الحكم والإمارة والفضل نسباً ولوناً ووطناً ، بل كانوا سحابة انتظمت البلاد وعمت العباد ، وغوادي مزنة أثنى عليها السهل والوعر  وانتفعت بها البلاد والعباد على قدر قبولها وصلاحها(175) .

في ظل هؤلاء وتحت حكمهم استطاعت الأمم والشعوب – حتى المضطهدة منها في القديم- أن تنال نصيبها من الدين والعلم والتهذيب والحكومة ، أن تساهم العرب في بناء العالم الجديد بل إن كثيراً من أفرادها فاقوا العرب في بعض الفضائل ، وكان منهم أئمة هم تيجان مفارق العرب وسادة المسلمين من الأئمة والفقهاء والمحدثين ، حتى قال ابن خلدون : (( من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم ، لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية(176) ، إلا في القليل النادر ، وإن كان منهم العربي في نسبته ، فهو عجمي في لغته ، ومرباه ومشيخته ، مع أن الملة عربية ، وصاحب شريعتها عربي (177))) . ونبغ من هذه الأمم في عصور الإسلام قادة وملوك ووزراء وفضلاء ، هم نجوم الأرض ونجباء الإنسانية ، وحسنات العالم ، فضيلة ومروءة وعبقرية وديناً وعملاً ، لا يحصيهم إلا الله .

رابعاً : أن الإنسان جسم وروح ، وهو قلب وعقل وعواطف وجوارح ، لا يسعد ولا يفلح ولا يرقى رُقياً متزناً عادلاً حتى تنمو فيه هذه القوى كلها نمواً متناسباً لائقاً بها ، ويتغذى غذاء صالحاً ، ولا يمكن أن توجد المدنية الصالحة البتة إلا إذا ساد وسط ديني خلقي عقلي جسدي يمكن فيه للإنسان بسهولة أن يبلغ كماله الإنساني ، وقد أثبتت التجربة أنه لا يكون ذلك إلا إذا كانت قيادة الحياة وإدارة دفة المدنية بيد الذين يؤمنون بالروح والمادة ، ويكونون أمثلة كاملة في الحياة الدينية والخلقية ، وأصحاب عقول سليمة راجحة ، وعلوم صحيحة نافعة ، فإذا كان فيهم نقص في عقيدتهم أو في تربيتهم عاد ذلك النقص في مدنيتهم ، وتضخم وظهر في مظاهر كثيرة ، وفي أشكال متنوعة ، فإذا تغلبت جماعة لا تعبد إلا المادة وما إليها من لذة ومنفعة محسوسة ، ولا تؤمن إلا بهذه الحياة ، ولا تؤمن بما وراء الحس أثرت طبيعتها ومبادئها وميولها في وضع المدنية وشكلها ، وطبعتها بطابعها ، وصاغتها في قالبها ، فكملت نواح للإنسانية واختلت نواح أُخرى أهم منها . عاشت هذه المدنية وازدهرت في الجصِّ والآجر ، وفي الورق والقماش ، وفي الحديد والرصاص ، وأخصبت في ميادين الحروب وساحات القتال ، وأوساط المحاكم ومجالس اللهو ومجامع الفجور ، وماتت وأجدبت في القلوب والأرواح وفي علاقة المرأة بزوجها ، والولد بوالده والوالد بولده ، والأخ بأخيه والرجل بصديقه ، وأصبحت المدنية كجسم ضخم متورم يملأ العين مهابة ورواء ، ويشكو في قلبه آلاماً وأوجاعاً ، وفي صحته انحرافاً واضطراباً .

وإذا تغلبت جماعة تجحد المادة أو تهمل ناحيتها ولا تهتم إلا بالروح وما وراء الحس والطبيعة ، وتعادي هذه الحياة وتعاندها ، ذبلت زهرة المدنية وهزلت القوى الإنسانية وبدأ الناس- بتأثير هذه القيادة – يؤثرون الفرار إلى الصحارى والخلوات على المدن ، والعزوبة على الحياة الزوجية ، ويعذبون الأجسام حتى يضعف سلطانها فتتطهر الروح ويؤثرون الموت على الحياة ، لينتقلوا من مملكة المادة إلى إقليم الروح ويستوفوا كمالهم هنالك ، لأن الكمال في عقيدتهم لا يحصل في العالم المادي ، ونتيجة ذلك أن تحتضر الحضارة وتخرب المدن ويختل نظام الحياة ولما كان هذا مضاداً للفطرة لا تلبث أن تثور عليه ، وتنتقم منه بمادية حيوانية ليس فيها تسامح لروحانية وأخلاق ، وهكذا تنتكس الإنسانية وتخلفها البهيمية والسبعية الإنسانية الممسوخة ، أو تهجم على هذه الجماعة الراهبة جماعة مادية قوية فتعجز عن المقاومة لضعفها الطبعي ، وتستسلم وتخضع لها ، أو تسبق هي- بما يعتريها من الصعوبات في معالجة أمور الدنيا- فتمد يد الاستعانة إلى المادية ورجالها وتسند إليهم أمور السياسة وتكتفي هي بالعبادات والتقاليد الدينية ، ويحدث فصل بين الدين والسياسة فتضمحل الروحانية والأخلاق ويتقلص ظلها وتفقد سلطانها على المجتمع البشري والحياة العملية حتى تصير شبحاً وخيالاً أو نظرية علمية لا تأثير لها في الحياة وتؤول الحياة مادية محضة وقلما خلت جماعة من الجماعات التي تولت قيادة بني جنسها من هذا النقص ، لذلك لم تزل المدنية متأرجحة بين مادية بهيمية وروحانية ورهبانية ولم تزل في اضطراب .

يمتاز أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم كانوا جامعين بين الديانة والأخلاق والقوة والسياسة ، وكانت تتمثل فيهم الإنسانية بجميع نواحيها وشعبها ومحاسنها المتفرقة في قادة العالم ، وكان يمكن لهم – بفضل تربيتهم الخلقية والروحية السامية واعتدالهم الغريب الذي قلما اتفق للإنسان ، وجمعهم بين مصالح الروح والبدن واستعدادهم المادي الكامل وعقلهم الواسع – أن يسيروا بالأمم الإنسانية إلى غايتها المثلى الروحية والخلقية والمادية .





دور الخلافة الراشدة مثل المدنية الصالحة :      

وكذلك كان ، فلم نعرف دوراً من أدوار التاريخ أكمل وأجمل وأزهر في جميع هذه النواحي من هذا الدور ، دور الخلافة الراشدة فقد تعاونت فيه قوة الروح والأخلاق والدين والعلم والأدوات المادية في تنشئة الإنسان الكامل , وفي ظهور المدنية الصالحة . كانت حكومة من أكبر حكومات العالم ، وقوة سياسة مادية تفوق كل قوة في عصرها . تسود فيها المثل الخلقية العليا وتحكم معايير الأخلاق الفاضلة في حياة الناس ونظام الحكم . وتزدهر فيها الأخلاق والفضيلة مع التجارة و الصناعة .ويساير الرقي الخلقي والروحي اتساع الفتوح واحتفال الحضارة فتقل الجنايات وتندر الجرائم بالنسبة إلى مساحة المملكة وعدد سكانها ورغم دواعيها وأسبابها .وتحسن علاقة الفرد بالفرد والفرد بالجماعة وعلاقة الجماعة بالفرد. وهو دور كمالي لم يحلم الإنسان بأرقى منه ولم يفترض المفترضون أزهى منه .ولم يكن إلا بسيرة الرجال الذين يتولون الحكم ويشرفون على المدنية وبعقيدتهم وتربيتهم وخطتهم في الحكم وسياستهم ، فكانوا أصحاب دين وأخلاق عالية أينما كانوا ، كانوا أعفة أمناء خاشعين متواضعين ، حكاماً كانوا أو رعايا أو شرطة أو جنوداً . يصف شيخ من عظماء الروم جنود المسلمين فيقول : إنهم يقومون الليل ويصومون النهار ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصفون بينهم(178) . وقال الآخر : ((هم فرسان بالنهار رهبان بالليل ، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ، ولا يدخلون إلا بسلام ، يقضون على من حاربوا حتى يأتوا عليه(179) )). ويقول الثالث : (( أما الليل فرهبان وأما النهار ففرسان ، يريشون النبل ويبرونها ويثقفون القنا ، لو حدثت جليسك حديثاً ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر(180) )). ويغنم الجند في المدائن تاج كسرى وبساطه وهو يساوي مئات الألوف من الدنانير فلا تعبث به يد ولا تشح عليه نفس ، ثم يسلمونه إلى الأمير ويرسله الأمير إلى خليفة المسلمين فيتعجب ويقول : إن الذين أدوا هذا لأمناء(181) .





تأثير الإمامة الإسلامية في الحياة العامة :               

إن هذا الرعيل من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم كان خليقاً بأن يسعد النوع الإنساني في ظله وتحت حكمه ،وأن يسير بقيادته سديد الخطى رشيد الغاية مستقيم السير ، وأن يعمر ويطمئن العالم في دوره وتخصب الأرض وتأخذ زخرفها ، فإنهم كانوا خير القائمين على مصالحها حارسين لها، ولا ينظرون إلى هذه الحياة كقفص من حديد أو غُلٍّ في عنق فيعادونه ويكسرونه، ولا ينظرون إليها كفرصه من لهو ونعيم ومتعة لا تعود أبداً فينتهزونها و يهتبلونها، ولا يضيعون منها ساعة ولا يدخرون من طيباتها ، وكذلك لا يعدونها عذاباً وعقوبة بجريمة فيتخلصون منها ولا ينظرون إلى الدنيا كمائدة ممدودة فيتهالكون عليها ، إلى ما في الأرض من نعماء وخزائن وخيرات كأنها مال سائب يتقاتلون عليه ، وإلى الأمم الضعيفة كفريسة يتسابقون في اقتناصها ، بل يعدون هذه الحياة نعمة من الله هي أصل كل خير وسبب كل بر ، يتقربون فيها إلى الله ويصلون إلى كمالهم الإنساني الذي قدر لهم ، وفرصة من عمل وجهاد لا فرصة بعدها : {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }.ويعيدون هذا العالم مملكة لله استحلفهم فيها -أولاً- من حيث أصل الإنسان الذي جعله خليفة في الأرض { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} . و-ثانياً- من حيث إنه إنسان أسلم لأمر الله وانقاد لحكمه فاستخلفه في الأرض واسترعاه أهلها {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً}.ومنحهم حق التمتع بخيرات الأرض من غير إسراف وتبذير {خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} ،{وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ،وجعل لهم الولاية على أمم الأرض وجماعات البشر يراقبون سيرها وسيرتها وأخلاقها ورغباتها ، فيرشدون الضال ويردون الغاوي ويصلحون الفاسد ويقيمون الأود ، ويرأبون الصدع ويأخذون للضعيف من القوي، وينتصفون للمظلوم من الظالم ، ويقومون في الأرض القسط ويبسطون على العالم جناح الأمن {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ } .

وقد وصف عالم ألماني مسلم وصفاً دقيقاً ، قال: 

(( إن الإسلام لا ينظر- كالنصرانية – إلى العالم بمنظار أسود ، بل هو يعلمنا أن لا نسرف في تقدير الحياة الأرضية ، وأن لا نغالي في قيمتها مغالاة الحضارة الغربية الحاضرة .إن المسحية تذم الحياة الأرضية وتكرهها، والغرب الحاضر-خلاف الروح النصراني – يهتم بالحياة كما يهتم النهم بطعامه ، هو يبتلعه ولكن ليس عنده كرامة له ، والإسلام بالعكس ينظر إلى الحياة بسكينه واحترام ، هو لا يبعد الحياة بل يعدها كمرحلة نجتازها في طريقنا إلى حياة عليا ، وبما أنها مرحلة ومرحلة لابد منها ليس للإنسان أن  يحتقرها أو يقلل من قيمة حياته الأرضية .إن مرورنا بهذا العالم في سفر الحياة لابد منه ، وقد سبق به تقدير الله ، فالحياة الإنسانية لها قيمتها الكبرى ، ولكن لا ينبغي لنا أن ننسى أنها ليست إلا واسطة وآلة وليست قيمتها إلا قيمة الوسائط والآلات ، الإسلام لا يسمح بالنظرية المادية القائلة (( إن مملكتي ليست إلا هذا العالم)) ولا بالنظرية المسيحية التي تزدري الحياة وتقول (( ليس هذا العالم مملكتي )) وطريق الإسلام طريق وسط بينهما ، القرآن يرشدنا أن ندعو: { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً }  فالتقدير لهذا العالم وأشيائه ليس حجر عثرة في سبيل جهودنا الروحية الخصبة ، والرقي المادي مرغوب فيه مع أنه ليس غاية في نفسه . إن غاية جهودنا ينبغي أن تكون إيجاد أحوال وظروف شخصية واجتماعية – والمحافظة عليها إن وجدت – تساعد في ارتقاء القوة الخلقية في الإنسان ، مطابقة لهذا المبدأ . الإسلام يهدي الناس إلى الشعور بالمسئولية الخلقية في كل عمل يعمله كبيراً كان أو صغيراً إن نظام الإسلام الديني لا يسمح أبداً بمثل ما أمر به الإنجيل قائلاً " أعطوا ما لقيصر لقيصر وأعطوا ما لله لله " ، لأن الإسلام لا يسمح بتقسيم حاجات حياتنا إلى خلقية وعملية ، ليس هناك إلا خيرة فقط ، خيرة بين الحق والباطل ، وليس شيء وسطاً بينهما ، لذلك هو يلح على العمل لأنه جزء لازم للأخلاق لا غنى عنه ، ينبغي لكل فرد مسلم أن يعيد نفسه مسئولاً شخصياً عن المحيط الذي يحيط به وكل ما يقع حوله ، ومأموراً بالجهاد لإقامة الحق ومحق الباطل في كل وقت وفي كل جهة ، فإن القرآن يقول {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } ، هذا هو المبرر الخلقي للحركة الإسلامي الجهادية والفتوح الإسلامية الأولى والاستعمار الإسلامي ، فالإسلام استعماري إن كان لا بد من هذا التعبير ، ولكن هذا النوع من الاستعمار ليس مدفوعاً بحب الحكومة والاستيلاء ، وليس من الأثرة الاقتصادية للقومية في شيء ، ولم يكن يحفز المجاهدين الأولين إلى الجهاد طمع في خفض من العيش ورخائه على حساب الناس الآخرين ، ولم يقصد منه إلا بناء إطار عالمي لأحسن ما يمكن للإنسان من ارتقاء روحي ، كما أن العلم بالفضيلة حسب تعليم الإسلام يفرض على الإنسان تبعة العمل بالفضائل . الإسلام لا يوافق أبداً على الفصل الأفلاطوني والتفريق النظري البحت بين الفضيلة والرذيلة ، بل يرى أنه من الوقاحة والرذيلة أن يميز الإنسان نظرياً بين الحق والباطل ، ولا يجاهد لارتقاء الحق وإزاحة الباطل ، فإن الفضيلة- كما يقول الإسلام- تحيا إذا جاهد الإنسان لبسط سلطانها على الأرض وتموت إذا خذلها وتقاعد عن نصرتها (182))).





المدنية الإسلامية وتأثيرها في الاتجاه البشري :

كان ظهور المدنية الإسلامية بروحها ومظاهرها وقيام الدولة الإسلامية بشكلها ونظامها في القرن الأول لهجرة محمد صلى الله عليه وسلم فصلاً جديداً في تاريخ الأديان والأخلاق ، وظاهرة جديدة في عالم السياسة والاجتماع ، انقلب به تيار المدنية ، واتجهت به الدنيا اتجاهاً جديداً ، فكانت الدعوة الإسلامية لم يزل يأتي بها الأنبياء ويبشر بها المبشرون ويجاهد في سبيلها المخلصون ، ولكن لم يكن يتمكن دعاتها من إقامة حكومة قائمة على أساسها ومناهجها متشبعة بمبادئها ، ومن إقامة مدنية مطبوعة بطابعها مبنية على أحكامها مثل ما تمكنوا في هذه المرة ، ولم تنل هذه الدعوة والجهود من النجاح في هذا السبيل مثل ما نالت أخيراً على يد محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ، فكان هذا الفتح المبين للإسلام محنة جديدة للجاهلية لم تعهدها من قبل ، ولم تعرف كيف تخرج منها ، عهدها بها دعوة دينية روحية فإذا هي تصبح نجاة وسعادة وروحاً ومادة وحياة وقوة ومدنية واجتماعاً وحكومة وسياسة . دين سائغ معقول كله حكمة وبداهة إزاء أوهام وخرافات وأساطير ، وشرع إلهي ووحي سماوي إزاء أقيسة وتجارب إنسانية وتشريع بشري ، ومدنية فاضلة قوية البنيان محكمة الأساس ، يسود فيها روح التقوى والعفاف والأمانة ، وتقدر فيها الأخلاق الفاضلة فوق المال والجاه ، والروح فوق المظاهر الجوفاء ، يتساوى الناس فلا يتفاضلون إلا بالتقوى ، ويهتم الناس بالآخرة فتصبح النفوس مطمئنة والقلوب خاشعة ، ويقل التنافس في أسباب هذه الحياة والتكالب على حطام الدنيا ، ويقل التباغض والتشاحن ، كل ذلك إزاء مدنية صاخبة مضطربة متناحرة متداعية البنيان متزلزلة الأركان ، يظلم الكبير فيها الصغير، ويأكل القوي فيها الضعيف ، ويتسابقون في اللهو والفجور ، يتنافسون ف الجاه والأموال وأسباب الترف والنعيم ، حتى تصبح الدنيا كلها حرباً في حرب وتصبح المدنية جحيماً على أهلها ، {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } حكومة عادلة تساوي بين رعيتها وتأخذ للضعيف من القوي ، وتحرس للناس أخلاقهم كما تحرس لهم بيوتهم وأموالهم ، وتحفظ عليهم دماءهم وأعراضهم ، خيارهم أمراؤهم ، وأزهدهم في العيش أملكهم لأسبابه وأقدرهم عليه ، إزاء حكومة عم فيها الجور والعسف ، وتواضع رجالها على الخيانة والظلم ، وتسابق أهلها في أكل أموال الناس وهتك أعراضهم وسفك دمائهم ، وتفسد على الناس أخلاقهم بما تضرب لهم مثلاً بأخلاقها ، شرارهم أُمراؤهم وملوكهم ، تشبع دوابهم وكلابهم وتجوع رعيتهم ، وتكسى بيوتهم ويعرى الناس .

فأصبح الناس لا يجدون عائقاً عن الإسلام ، ولا يواجهون صعوبة وعنتاً في سبيل قبول الإسلام ولا يرون للجاهلية مرجحاً ومصلحة ، ويدخل الرجل في الإسلام فلا يخسر شيئاً ولا يفقد شيئاً ويجد برد اليقين وحلاوة الإيمان وعزة الإسلام ودولة قوية يعتز بها وأنصاراً يفدونه بأرواحهم وأنفسهم ، ونفساً مطمئنة وثقة في الحياة بعد الموت ، فصار الناس ينتقلون من معسكر الجاهلية إلى معسكر الإسلام باختيارهم ، وصارت أرض الجاهلية تنتقص من أطرافها وكلمة الإسلام تعلو وظله يمتد ، حتى ارتفعت الفتنة وكان الدين لله .

وكان تأثير هذا الانقلاب عظيماً جليلاً ، فكان الطريق إلى الله من قبل في دولة الجاهلية وغربة الإسلام شاقاً عسيراً محفوفاً بالأخطار ، فأصبح الآن سهلاً يسيراً آمناً مسلوكاً ، وكان يصعب على الإنسان في الوسط الجاهلي أن يطيع الله ، فصعب عليه في الوسط الإسلامي أن يعصي الله ، وكانت الدعوة إلى النار بالأمس ظاهرة منصورة فأصبحت اليوم خافتة مخذولة ، وكانت أسباب سخط الله وعصيانه مكشوفة موفورة فعادت نادرة مستورة ، وكانت الدعوة إلى الله في أرض الله جريمة قد ترتكب سراً وخفية ، فأصبحت جهراً وعلانية وحرة آمنة لا تلقى معارضة ذات بال ، ولا يخاف أصحابها اضطهاداً في سبيل العقيدة وأذى في سبيل الدين الجديد :  { تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ } وأصبح أصحابها يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، يأمرون وينهون بمعنى الكلمة .

صارت طباع الناس وعقولهم تتغير وتتأثر بالإسلام من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون ، كما تتأثر طبيعة الإنسان والنبات في فصل الربيع ، وبدأت القلوب العاصية الجافة ترق وتخشع وبدأت مبادئ الإسلام وحقائقه تتسرب إلى أعماق النفوس وتغلغل في الأحشاء ، وبدأت قيمة الأشياء تتغير في عيون الناس والموازين القديمة تتحول وتخلفها الموازين الجديدة ، وأصبحت الجاهلية حركة رجعية كان من الجمود والغباوة المحافظة عليها ، وصار الإسلام شيئاً راقياً عصرياً كان من الظرف والكياسة الانتساب إليه والظهور بمظاهره ، وكانت الأمم بل كانت الأرض تدنو رويداً رويداً إلى الإسلام ، ولا يشعر أهلها بسيرهم كما لا يشعر أهل الكرة الأرضية بدورانهم حول الشمس ، يظهر ذلك في فلسفتهم وفي دينهم وفي أدبهم وفي مدنيتهم ، وتشف عن ذلك بواطنهم وضمائرهم ، وتنم عنه الحركة الإصلاحية التي ظهرت فيهم حتى بعد انحطاط المسلمين .

جاء الإسلام بالتوحيد ونعى على الوثنية والشرك ، فهان الشرك منذ ذلك اليوم في عيون أهله وصغر ، وصار أهله يخجلون منه ويتبرؤون منه ولا يقرون به ، بعدما كانوا يجتهدون في إظهاره ويستميتون في الدفاع عنه ، وأصبح أهل كل دين يؤولون ما في نظامهم الديني من شرك أو مظاهر شرك ووثنية ورسومها وتقاليدها ويلوون بذلك ألسنتهم ، ويجتهدون في التعبير عنه وشرحه بما يقرب إلى التوحيد الإسلامي ويشبهه .

يقول الأستاذ أحمد أمين : (( ظهر بين النصارى نزعات يظهر فيها أثر الإسلام . من ذلك أنه في القرن الثامن الميلادي أي في القرنين الثاني والثالث الهجريين ظهرت في سبتمانيا (SePtimania) (183) حركة تدعو إلى إنكار الاعتراف أمام القسس ، وأن ليس للقسس حق في ذلك ، وأن يضرع الإنسان إلى الله وحده في غفران ما ارتكب من إثم ، والإسلام ليس له قسيسون ورهبان وأحبار ، فطبيعي أن لا يكون فيه اعتراف )) .

وكذلك كانت حركة تدعو إلى تحطيم الصور والتماثيل الدينية (Iconoclasts) ذلك أنه في القرن الثامن والتاسع للميلاد أو القرن الثالث والرابع الهجري ، ظهر مذهب نصراني يرفض تقديس الصور والتماثيل ،فقد أصدر الإمبراطور الروماني "ليو" الثالث أمراً سنة 726 م يحرم فيه تقديس الصور والتماثيل ، وأمراً آخر سنة 730 م يعد الإتيان بهذا وثنية ، وكذلك كان قسطنطين الخامس وليو الرابع ، على حين كان البابا جريجوري الثاني والثالث وجرمانيوس بطريرك القسطنطينية والإمبراطورة إيريني من مؤيدي عبادة الصور ، وجرى بين الطائفتين نزاع شديد لا محل لتفصيله ، وكل ما نريد أن نذكره أن بعض المؤرخين يذكرون أن الدعوة إلى نبذ الصور والتماثيل كانت متأثرة بالإسلام ، ويقولون : إن كلوديوس  (Claadius)     أسقف تورين (الذي عين سنة 828 م وحول 213هـ)والذي كان يحرق الصور والصلبان وينهى عن عبادتها في أسقفيته ، ولد وربي في الأندلس الإسلامي . وكراهية الإسلام للتماثيل والصور معروفة ، روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر ، وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل ، فلما رآه هتكه ، وتلون وجهه ، وقال : يا عائشة أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله .قالت : فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتي(184)ن )) والأحاديث في هذا الباب مستفيضة .

وكذلك وجدت طائفة من النصارى(185) شرحت عقيدة التثليث بما يقرب من الوحدانية وأنكرت ألوهية المسيح عليه السلام(186) .

ويمكن لمن يطالع تاريخ أوربا الديني وتاريخ الكنسية النصرانية أن يلتمس تأثير الإسلام العقلي في نزعات المصلحين والثائرين على النظام الأسقفي السائد ، أما دعوة "لوثر " الإصلاحية الكبيرة ، فقد كانت – على عِلاَّتها- أبرز مظهر للتأثُّر بالإسلام وبعض عقائده كما اعترف المؤرخون . 

وترى كذلك تأثير للعقلية الإسلامية والشريعة الإسلامية في أخلاق الأمم اجتماعها وتشريعها في أوربا النصرانية وفي الهند الوثنية بعد الفتح الإسلامي(187) تراه وتلمسه في الاتجاه إلى التوحيد ونزعات الاحترام للمرأة وحقوقها والاعتراف بمبدأ المساواة بين طبقات البشر ، إلى غير ذلك مما سبق إليه الإسلام وامتازت به شريعته ومدنيته .

يقول الباحث الهندي المعروف( k. M. panikkar)سفير الهند في مصر سابقاً ، وهو يتحدث عن تأثير عقيدة التوحيد الإسلامية في عقلية الشعب الهندي ودياناته :

((من الواضح المقرر أن تأثير الإسلام في الديانة الهندكية كان عميقاً في هذا العهد (الإسلامي)، إن فكرة عبادة الله في الهنادك مدينة للإسلام ، إن قادة الفكر والدين في هذا العصر وإن سموا آلهتهم بأسماء شتى قد دعوا إلى عبادة الله ، وصرحوا بإن الإله واحد ، وهو يستحق العبادة ، ومنه تطلب النجاة والسعادة . وقد ظهر هذا التأثير في الديانات والدعوات التي ظهرت في الهند في العهد الإسلامي كديانة "Bhagti"  ودعوة (( كبير(188) )) .

ويقول رئيس وزراء الهند جواهر لال بهرو في كتابه (Discovery of India) ((إن دخول الغزاة الذين جاءوا من شمال غرب الهند ودخول الإسلام له أهمية كبيرة في تاريخ الهند إنه قد فضح الفساد الذي كان قد انتشر في المجتمع الهندوكي ، إنه قد أظهر انقسام الطبقات واللمس المنبوذ ، وحب الاعتزال عن العالم الذي كانت تعيش فيه الهند ، إن نظرية الأخوة الإسلامية والمساواة التي كان المسلمون يؤمنون بها ، ويعيشون فيها ، أثرت في أذهان الهندوس تأثيراً عميقاً ، وكان أكثر خضوعاً لهذا التأثير البؤساء الذين حرم عليهم المجتمع الهندي المساواة والتمتع بالحقوق الإنسانية )) .

ويقول كاتب عصري فاضل وهو (N. C. Mehta) في كتابه " الحضارة الهندية والإسلام " (Indian Civilization and Islam)  : 

(( إن الإسلام قد حمل إلى الهند مشعلاً من نور قد انجلت به الظلمات التي كانت تغشى الحياة الإنسانية في عصر مالت فيه المدنيات القديمة إلى الانحطاط والتدلي ، وأصبحت الغايات الفاضلة معتقدات فكرية ، لقد كانت فتوح الإسلام في عالم الأفكار أوسع وأعظم منها في حقل السياسة ، شأنه في الأقطار الأخرى ، لقد كان من سوء الحظ أن ظل تاريخ الإسلام في هذا القطر (الهندي) مرتبطاً بالحكومة ، فبقيت حقيقة الإسلام في حجاب ، وبقيت هباته وأياديه الجميلة مختفية عن الأنظار )) .

ولا يستطيع دين من الأديان ومدنية من المدنيات تعيش في العالم المتمدن المعمور أن تدعي أنها لم تتأثر بالإسلام والمسلمين في قليل ولا كثير .

يقول (Robert Briffault) في كتابه (The Making of Humanity) 

(( ما من ناحية من نواحي تقدم أوربا إلا وللحضارة الإسلامية فيها فضل كبير وآثار حاسمة لها تأثير كبير(189) )) .

ويقول في موضع آخر :

((لم تكن العلوم الطبيعية (التي يرجع فيها الفضل إلى العرب) هي التي أعادت أوربا إلى الحياة ولكن الحضارة الإسلامية قد أثرت في حياة أوربا تأثيرات كبيرة ومتنوعة منذ أرسلت أشعتها الأولى إلى أوربا(190) )) .

فلو جرت الأمور هكذا وتمتعت الأمم الإنسانية بقيادة الجماعة التي خُلقت بقيادتها وأعطيت القوس باريها ، وجرت المياه إلى مجاريها ، لكان للعالم الإنساني تاريخ غير التاريخ الذي نقرؤه حافلاً بالزلازل والنكبات ناطقاً بطول بلاء الإنسانية ومحنها ، لكان له تاريخ مجيد جميل يغتبط به كل إنسان ويقر عيناً ، ولكن جرت الأقدار بغير ذلك ، وبدأ الانحطاط في المسلمين أنفسهم .      





**********************************

 

الفصل الثاني

الانحطاط في الحياة الإسلامية 





الحد الفاصل بين العصرين :

قال أحد الأدباء : (( أمران لا يحدد لهما وقت بدقة ، النوم في حياة الفرد ، والانحطاط في حياة الأمة ، فلا يشعر بهما إلا إذا غلبا واستوليا )) إنه لحق في قضية أكثر الأمم ، ولكن بدأ التدلّي والانحطاط في حياة الأمة الإسلامية أوضح منه في حياة الأمم الأخرى ، ولو أردنا أن نضع إصبعنا على الحد الفاصل بين الكمال والزوال لوضعنا على ذلك الخط التاريخي الذي يفصل بين الخلافة الراشدة والملوكية العربية أو ملوكية المسلمين .





نظرة في أسباب نهضة الإسلام :

كان زمام القيادة الإسلامية- والعالمية بالواسطة- بيد الرجال الذين كان كل فرد منهم معجزة جليلة لمحمد صلى الله عليه وسلم ، إيماناً وعقيدة وعملاً وخلقاً وتربية وتهذيباً وتزكية نفس وسمو سيرة ، وكمالاً واعتدالاً ، لقد صاغهم النبي صلى الله عليه وسلم صوغاً ، وصبهم في قالب الإسلام صباً ، فعادوا لا يشبهون أنفسهم إلا في الأجسام لا في الميول والنزعات ، ولا في الرغبات والأهواء ، ولو دقق مدقق لما رأى في سيرتهم وأخلاقهم مأخذاً جاهلياً ينافي روح الإسلام والنفسية الإسلامية ، ولو تمثل الإسلام بشراً لما زاد على أن يكون كأحدهم ، وكانوا كما قلنا أمثلة كاملة وأقيسة تامة للدين والدنيا والجمع بينهما ، فكانوا أئمة يصلون بالناس ، وقضاة يفصلون قضاياهم ، ويحكمون بينهم بالعدل والعلم ، وأمنة لأموال المسلمين وخزنتهم ، وقواداً يقودون الجيوش ويحسنون تدبير الحروب ، وأمراء يباشرون إدارة البلاد ويشرفون على أمور المملكة ويقيمون حدود الله ، وكان الواحد منهم في آن واحد تقياً زاهداً وبطلاً مجاهداً ، وقاضياً فهماً ، وفقيهاً مجتهداً وأميراً حازماً وسياسياً محنكاً ، فكان الدين والسياسة يتمثلان في شخص واحد وهو شخص الخليفة وأمير المؤمنين ، حوله جماعة ممن تخرجوا- إن صح التعبير- في هذه المدرسة ، المدرسة النبوية ، أم المسجد النبوي ، أفرغوا في قالب واحد يحملون روحاً واحدة ، وتلقوا تربية واحدة ، يستشيرهم الخليفة ويستعين بهم ، فلا يقطع أمراً ذا بال حتى يشهدوه فسرت روحهم في المدنية ونظام الحكم وحياة الناس واجتماعهم وأخلاقهم ، وانعكست ميولهم ورغباتهم في المدنية وظهرت خصائصهم فيها ، فلا عداء بين الروح والمادة ولا صراع بين الدين والسياسة ولا تفريق بين الدين والدنيا ، ولا تجاذب بين المصالح والمبادئ ولا تزاحم بين الأغراض والأخلاق ، ولا تناحر بين الطبقات ، ولا تنافس في الشهوات .





شروط الزعامة الإسلامية :    

إن الزعامة الإسلامية تقتضي صفات دقيقة ، واسعة جداً نستطيع أن نجمعها في كلمتين  "الجهاد " و "الاجتهاد" ، فهاتان كلمتان خفيفتان بسيطتان ، ولكنهما كلمتان جامعتان عامرتان بالمعاني الكثيرة .





الجهاد : 

أما الجهاد فهو بذل الوسع وغاية الجهد لنيل أكبر مطلوب ، وأكبر وطر للمسلم طاعة الله ورضوانه والخضوع لحكمه والإسلام لأوامره ، وذلك يحتاج إلى جهاد طويل شاق ضد كل ما يزاحم ذلك من عقيدة وتربية وأخلاق وأغراض وهوى وكل من ينافس في حكم الله وعبادته من آلهة في الأنفس والآفاق ، فإذا حصل ذلك للمسلم وجب عليه أن يجاهد لتنفيذ حكم الله وأوامره في العالم حوله وعلى بني جنسه ، فريضة من الله وشفقة على خلق الله ، ولأن الطاعة الانفرادية قد تصعب وتمتنع أحياناً بغير ذلك ، وذلك ما يسميه القرآن " الفتنة " ومعلوم أن العالم كله بما فيه من جماد ونبات وحيوان وإنسان خاضع لمشيئة الله وأحكامه التكوينية وقوانينه الطبيعية{وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ }  فيتعين أن جهاد المسلم إنما هو لتنفيذ شريعته التي جاء بها الأنبياء ، وإعلاء كلمته ونفاذ أحكامه ، فلا حكم إلا لله ولا أمر إلا له ، وهذا الجهاد مستمر ماض إلى يوم القيامة ، له أنواع وأشكال لا يأتي عليها الحصر ، منها القتال ، وقد يكون أشرف أنواعه وغايته أن لا تبقى في الدنيا قوتان متساويتان متنافستان تتجاذبان الأهواء والأنفس {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} .

ومن مقتضيات هذا الجهاد أن يكون الإنسان عارفاً بالإسلام الذي يجاهد لأجله وبالكفر والجاهلية التي يجاهد ضدها ، يعرف الإسلام معرفة صحيحة ويعرف الكفر والجاهلية معرفة دقيقة ، فلا تخدعه المظاهر ولا تغره الألوان ولا تعزه الألوان ، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إنما ينقض الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية . ولا يجب على كل مسلم أن تكون معرفته دقيقة بالكفر والجاهلية ومظاهرهما وأشكالهما وألوانهما . ولكن على من يتزعم الإسلام ويتولى قيادة الجيش الإسلامي ضد الكفر والجاهلية ، أن تكون معرفته بالكفر والجاهلية فوق معرفة عامة المسلمين وأوساطهم .

كذلك يجب أن يكون استعدادهم كاملاً وقوتهم تامة ، يقارعون الحديد بالحديد بل بأقوى من الحديد ، ويقابلون الريح بالإعصار ، ويواجهون الكفر وأهله بكل ما يقدرون عليه ، وبكل ما امتدت إليه يدهم ، وبكل ما اكتشفه الإنسان ووصل إليه العلم في ذلك العصر ، من سلاح وجهاز واستعداد حربي ، لا يقصرون في ذلك ولا يعجزون : {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ }.





الاجتهاد :       

أما الاجتهاد فنريد به أن يكون من يرأس المسلمين قادراً على القضاء الصحيح في النوازل الحوادث التي تعرض في حياة المسلمين وفي العالم وفي الأمم التي يحكمها ، وفي المسائل التي تفاجئ وتتجدد ، والتي لا يستقصيها فقه مدون ومذهب مأثور وفتاوى مؤلفة ، ويكون عنده من معرفة روح الإسلام وفهم أسرار الشريعة والاطلاع على أصول التشريع وقوة الاستنباط – انفراداً أو اجتماعاً- ما يحل به هذه المشاكل ويرشد الأمة في الغمة .

ويكون عنده من الذكاء والنشاط والجد والعلم ما يستخدم به ما خلق الله في هذا الكون من قوى طبيعية ، وما بث في الأرض وتحت الأرض من خيرات ومنابع ثروة وقوة ، وأن يسخرها لمصلحة الإسلام بدل أن يستخدمها أهل الباطل لأهوائهم ، ويتخذوها وسيلة للعلو في الأرض ، ويسخرها الشيطان لتحقيق أغراضه والإفساد في الأرض .





انتقال الإمامة من الأكفاء إلى غير الأكفاء : 

ولكن من الأسف ومن سوء حظ العالم البشري أن تولى هذا المنصب الخطير رجال لم يكونوا له أكفاء ، ولم يُعدوا له عدة ، ولم يأخذوا له أهبة ، ولم يتلقوا تربية دينية وخلقية كما تلقى الأولون وكثيرون في عصرهم وجيلهم ، ولم يسيغوا تعاليم الإسلام إساغة تليق بقيادة الأمة الإسلامية والاضطلاع بزعامتها ، ولم تنق رؤوسهم ولا نفوسهم من بقايا التربية القديمة ، ولم يكن عندهم من روح الجهاد في سبيل الإسلام ومن قوة الاجتهاد في المسائل الدينية والدنيوية ما يجعلهم يضطلعون بأعباء الخلافة الإسلامية- وهذا الحكم عام يشمل خلفاء بني أمية وبني العباس ، حاشا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (م 101هـ)  .





تحريفات الحياة الإسلامية :

فظهر من ذلك ثلمات في ردم الإسلام لم تسد إلى الآن ، ووقعت تحريفات في الحياة الإسلامية.





فصل الدين عن السياسة :

وقع فصل بين الدين والسياسة عملياً ، فإن هؤلاء لم يكونوا من العلم والدين بمكان يستغنون به عن غيرهم من العلماء وأهل الدين فاستبدوا بالحكم والسياسة ، واستعانوا- إذا أرادوا واقتضت المصالح- بالفقهاء ورجال الدين كمشيرين متخصصين ، واستخدموهم في مصالحهم واستغنوا عنهم إذا شاؤوا ، وعصروهم متى شاءوا ، فتحررت السياسة من رقابة الدين ، وأصبحت قيصرية أو كسروية مستبدة ، وملكاً عضوضاً ، وأصبحت السياسة كجمل هائج حبله على غاربه ، وأصبح رجال الدين والعلم بين معرضة للخلافة وخارج عليها ، وحائد منعزل اشتغل بخاصة نفسه وأغمض العين عما يقع ويجري حوله ، يائساً من الإصلاح ، ومنتقد يتلهف ويتنفس الصعداء مما يرى ولا يملك من الأمر شيئاً ، ومتعاون مع الحكومة لمصلحة دينية أو شخصية ، ولكلٍّ ما نوى ، وحينئذ انفصل الدين والسياسة ، وعادا كما كانا قبل عهد الخلافة الراشدة أصبح الدين مقصوص الجناح مكتوف الأيدي ، وأصبحت السياسة مطلقة اليد حرة التصرف نافذة الكلمة صاحبة الأمر والنهي ، ومن ثمَّ أصبح رجال العلم والدين طبقة متميزة ، ورجال الدنيا طبقة متميزة ، والشقة بينهما شاسعة ، وفي بعض الأحيان بينهما عداء وتنافس .





النزعات الجاهلية في رجال الحكومة :        

ولم يكن رجال الحكومة حتى الخلفاء أمثلة كاملة في الدين والأخلاق ، بل كان في كثير منهم عروق للجاهلية ونزعاتها ، فسرت روحهم ونفسيتهم في الحياة العامة والاجتماع ، وأصبحوا أسوة للناس في أخلاقهم وعوائدهم وميولهم ، وزالت رقابة الدين والأخلاق وارتفعت الحسبة وفقدت حركة الأمر المعروف والنهي عن المنكر سلطانها ، لأنها لا تستند إلى قوة ولا تحميها حكومة ، وإنما يقوم بها متطوعون لا قوة لديهم ولا عقاب ، والدواعي إلى خلافها متوافرة قوية ، فتنفست الجاهلية في بلاد الإسلام ورفعت رأسها ، وأخلد الناس إلى الترف والنعيم وإلى الملاهي والملاعب ، وانغمسوا في الملذات والشهوات واستهتروا استهتاراً ، ونظرة في كتاب الأغاني وكتاب الحيوان للجاحظ تُريك ما كان هنالك من رغبة جامحة إلى اللهو ، وتهافت على الملاهي والملذات ، ونهمة للجياة الدنيا وأسبابها ، وبهذه السيرة ، وبهذه الأخلاق المنحطة ، ومع هذا الانهماك في الملاهي لا تستطيع أمة أ تؤدي رسالة الإسلام ، وأن تقوم في الدنيا مقام خلفاء الأنبياء ، وتذكر بالله والآخرة وتحض على التقوى والدين ، وأن تكون أسوة للناس في أخلاقها ، بل لا تستطيع أن تتمتع بالحياة والحرية زمناً طويلاً : {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً } .





سوء تمثيلهم للإسلام :  

وكان هؤلاء في كل ما يأتون ويذرون ممثلين لأنفسهم وسياستهم فقط ، لا يمثلون الإسلام ، ولا سياسته الشرعية ، لا قانونه الحربي ، ولا نظامه المدني ، ولا تعاليمه الأخلاقية إلا في النادر ففقدت رسالة الإسلام تأثيرها وقوتها في قلوب غير المسلمين وضعفت ثقتهم به . وفي لفظ مؤرخ أوربي- بدأ الإسلام بالانحطاط ، لأن البشرية بدأت تشك في صدق القائمين بتمثيل الديانة الجديدة .





قلة الاحتفال بالعلوم العملية المفيدة :   

إن العلماء المفكرين منهم لم يعتنوا بالعلوم الطبيعية التجريبية والعلوم العملية المثمرة المفيدة اعتناءهم بعلوم ما بعد الطبيعة والفلسفة الإلهية التي تلقوها من اليونان وما هي إلا وثنيتهم القومية التي ترجموها في لغتهم الفلسفية ، وأضفوا عليها لباساً من الفن ، وما هي إلا ظنون وتخمينات وطلاسم لفظية لا حقيقة لها ولا معنى ، وقد أغنى الله المسلمين عنها وكفاهم هذا البحث والتنقيب ، وعملية تجزئة وتحليل في مسائل ذات الله وصفاته وما يتعلق بها أشبه بالتحليل الكيمياوي بما أنزل إليهم بينات من الهدى والفرقان وجعلهم على نور من ربهم ، ولكن المسلمين لم يشكروا هذه النعمة العظيمة ، وظلوا قروناً طويلة يجاهدون من هذه العلوم والمباحث في غير جهاد ، ويضيعون ذكاءهم في مباحث فلسفية وكلامية لا تجدي نفعاً ولا تأتي بنتيجة ، وليس لها دعوة في الدنيا والآخرة ، وتشاغلوا بها عن علوم واختبارات تسخر لهم قوى الطبيعة ويسخرونها لمصلحة الإسلام ، ويبسطون بها سيطرة الإسلام المادية والروحية على العالم كله .

وكذلك اشتغلوا بمباحث الروح وفلسفة الإشراق ومسائل وحدة الوجود ، وبذلوا فيها قسطاً كبيراً من أوقاتهم وجهودهم وذكائهم .

أما ما وصل إليه المسلون في العلوم الطبيعية والتجريبية، فإنه وإن كان أرقى من العصور السابقة وأكثر ثروة في العلم والاختبار ، إلا أنه لا يتناسب مع فتوحهم الواسعة في دوائر علمية أخرى ، ولا يتلاءم مع المدة الطويلة التي تمتعوا بها في التاريخ ، ولم يظهر فيها من النوابغ والعبقريين مثل ما ظهر في موضوعات أخرى .

وإن ما خلفوه من كتب في الطبيعيات والكونيات والتجارب العلمية ، وإن ما كانت مما استفادت به أوربا في نهضتنا وأقرت بقيمتها ، إلا أنها تتضاءل جداً أمام هذه المكتبة الهائلة الزاخرة التي أنتجتها أوربا في القرنين السابع عشر والثامن عشر فقط ، فمهما افتخرنا بآثار علماء الأندلس وحكماء الشرق ، فإنها لا تعد شيئاً بجانب الإنتاج الغربي الضخم في العلم والحكمة والتجربة والاختبار ، لا في الكمية ولا في الكيفية ، ولا في الإبداع ولا في الابتكار ، ولا في التدقيق العلمي ولا في الإتقان الفني ، وإذا أرادت أن تعرف مقدار عناية الشرق الإسلامي بالناحية الروحية ونسبتها إلى الناحية العلمية والتجريبية فقارن بين كتاب الفتوحات المكية للشيخ ابن عربي مثلاً وبين أكبر كتاب في الطبيعيات والحكمة ، تر فرقاً هائلاً في ضخامة المادة والعناية بالموضوع والجهاد في سبيله ، وبذلك تعرف ذوق الشرق الغالب عليه .





الضلالات والبدع :  

وكاد يحجب توحيد الإسلام النقي حُجُبٌ من الشرك والجهل والضلالة ، وطرأت على النظام الديني بدع شغلت مكاناً واسعاً من حياة المسلمين وشغلتهم عن الدين الصحيح ، وعن الدنيا وميزة المسلمين بين أمم الأرض وفضلهم إنما هو من هذا الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، وميزة هذا الدين وإعجازه في صحته وحفظه ، لأنه يمتاز بأنه وحي الله وشريعته ووضعه المعجز وشرعه الحكيم  { تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } فإذا عملت فيه عقول الناس ودخلت فيه أعمال الناس وأهواؤهم لم يكن له على الأديان التي حرفها أهلها ، والنظم التي نسجتها أيدي الناس إلا بمقدار ما فيه من الوحي المحفوظ والعلم المعصوم ، ولم يكن ضامناً لسعادة الدنيا والآخرة ، ولم يكن حقيقاً بأن تخضع له العقول وينجذب إليه الناس .













إنكار الدين على المسلمين وإهابته بهم :                   

ولا يغربن عن البال أن الدين لم يزل طول هذه المدة حياً محفوظاً من التحريف والتبديل ، مهيباً بالمسلمين ناعياً عليهم انحرافهم عن طريقه ، ولم يزل مناره عالياً وضوءه مشرقاً {يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ولم يزل الكتاب والسنة يبعثان في نفوس القراء ثورة على الشرك والبدع ، وعلى الجهالة والضلالة وثورة على أخلاق الجاهلية وعوائدها ، وثورة على ترف المترفين واستبداد الملوك ، ولم يزل ينهض بتأثيرهما في كل دور من أدوار التاريخ الإسلامي ، وفي كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي رجال يقومون في هذه الأمة على طريق الأنبياء ، يجددون لها أمر دينها ، وينفخون فيها روح الجهاد ، ويفتحون لها باب الاجتهاد ، ويسعون لإقامة حكومة إسلامية على منهاج الخلافة الراشدة ، فمنهم من استشهد في هذه السبيل ، ومنهم من استطاع أن يمثل دوراً قصيراً يذكر بالخلافة الراشدة : {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً } وهم مصداق الحديث الشريف : (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله )) فتاريخ الجهاد والتجديد في الإسلام متصل لا تقطعه فترة ، ومشاعل الإصلاح متسلسلة بعضها من بعض لم تطفئها العواصف(191) . 





حسن بلاء العالم الإسلامي في القرن السادس :         

في القرن السادس الهجري منَّ الله على العالم الإسلامي- الذي بدت عليه أمارات الضعف والشيخوخة بعد السلاجقة وتوزعه ملوك وأمراء في الأنحاء- بقادة كبار حفظ الله بهم شرف الإسلام وعزته ، وأعاد بهم الحياة إلى العالم الإسلامي المنهار ، بدأت الغزوات الصليبية- التي كانت تهدف أولاً إلى الاستيلاء على الأماكن المقدسة عند المسيحيين- تتحدى الإسلام والمسلمين كلهم ، وتهدد الجزيرة العربية ومهد الإسلام والدول المجاورة للشام ، واستولى الصليبيون الأوربيون فعلاً على القدس وعلى عامة مدن الشام وقلاعه ، وطمعوا في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكانوا أكبر خطر على الإسلام والمسلمين بعد فتنة الردة ، هنالك قيض الله للإسلام عماد الدين أتابك زنكي (م 541هـ) الذي قارع الصليبيين وهزمهم في معارك كثيرة وفتح الرُّها ، وقام بعده ولده العظيم الملك العادل نور الدين محمود زنكي (م 569هـ) وصمم على إجلاء الصليبيين من الشام واسترداد القدس للمسلمين ، ومات رحمة الله عليه قبل أن يكمل مهمته وخلفه في ذلك أحد رجاله ومرشحيه الملك الناصر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ملك مصر ، وهو الرجل الذي هيأه الله لهذه المهمة العظيمة وجمع فيه من خصال الحزم والعزم والإخلاص والتجرد للغاية والحرص على الجهاد والتفاني في سبيله وعلو الهمة في نصر الإسلام وقتال أهل الكفر والبغي ، وحسن القيادة وقوة التنظيم والصلاح والديانة والفتوة الفائقة والإنسانية السامية ومكارم الأخلاق ما لا يجتمع إلا في أفذاذ الرجال في العالم ، فكان بذلك معجزة من معجزات الإسلام ودليلاً على أن الإسلام لم ينته دوره ولم يفقد الحيوية والإنتاج ، وقد توحد العالم الإسلامي من بين نهر الفرات وبين النيل للمرة الأولى بعد مدة طويلة ليقاتل أوربا التي تدفقت جيوشها واندفع ملوكها وأمراؤها وقوادها الكبار ليهاجموا العالم الإسلامي ، وقد اجتمع تحت لواء صلاح الدين للجهاد أجناس كثيرة من المسلمين لم تجتمع قبل ، والتهبت شعلة الجهاد والغيرة الإسلامية بعد مدة طويلة ، واستخدم صلاح الدين للجهاد كل ما وصل إليه العالم الإسلامي من العلم والاختراع وصناعة الحرب يومئذ ، هو كل ما أوتي من الذكاء والصبر والتفكير وهزم الصليبيين في حطين عام (583هـ) هزيمة منكرة وكسر شوكتهم وفتح القدس في العام نفسه واستولى على فلسطين لها وانحصر الصليبيون في " صور" فقط ، ألقت أوربا أفلاذ أكبادها ، وجاءت بحدها وحديدها واجتمعت جيوشها الكثيفة تحت قيادة القائد الكبير رتشارد Richard  ملك انكلترا وكانت الحرب بين الصليبيين والمسلمين سجالاً حتى وقعت الهدنة سنة 588هـ (2 سبتمبر 1192 المسيحي) وجلا معظم الغزاة الصليبيين عن فلسطين ورجع رتشارد إلى ملكه ، وبعد ذلك بسنة استأثر الله بصلاح الدين .

ويحسن بنا أن ننقل هنا ما علق المؤرخ الانكليزي Stanley Lave people  على هذه الهدنة في كتابه عن صلاح الدين ، وبه نستطيع أن نعرف قوة العالم الإسلامي ووحدته تحت قيادة صلاح الدين :

(( انتهت الحرب المقدسة التي استمرت خمسة أعوام ، لقد كان المسلمون قبل انتصارهم في معركة حطين في يوليه سنة 1187م ولا يملكون قيراطاً من الأرض غربي نهر الأردن ، أما في سبتمبر سنة 1192م لما وقع الصلح في الرملة فقد ملكوا البلاد كلها إلا سلسلة ضيقة تمتد من صور إلى يافا كان المسيحيون لا يزالون يملكونها ، ولم تكن هذه الهدنة مما يخجل لها صلاح الدين ويتأسف ، لقد بقي معظم ما فتحه الصليبيون في حوزة الإفرنج ، ولكن كانت النتيجة تافهة جداً بالنسبة إلى خسائر الأموال والنفوس . فقد زحفت أوربا كلها إلى الأرض المقدسة لما استفزها البابا للغزو الصليبي ، وبذل القيصر فريدرك وملوك انكلترا وفرنسا وصقلية وليوبولد النمساوي والدوق البرجندي والكونت الفلاندري مئات من النبلاء والمشاهير وأمراء الشعوب المسيحية وملك حكومة القدس المسيحية وملوك الحكومات النصرانية في فلسطين وفرسان طبقة الداوية وطبقة الإسبتار وأبطالها ، لقد بذل هؤلاء كلهم كل ما في وسعهم للاستيلاء على القدس ولتزدهر الحكومة المسيحية التي كانت مركزها القدس ، والتي أشرفت على الانقراض . ولكن ماذا كان مصير هذه الجهود كلها ؟ مات القيصر فريدرك في هذه المدة ، ورجع ملوك انكلترا وفرنسا إلى بلادهم ودفن كثير من زملائهم الأمراء والنبلاء في أرض إيليا وبقي القدس في حوزة صلاح الدين ، كما كان ، ولم يكن من حظ المسيحيين إلا إمارة عكة الصغيرة على الساحل .

لقد وقف العالم المسيحي وقفة رجل واحد إزاء المسلمين ، ولكنه لم يستطع أن يزحزح صلاح الدين عن مكانه ، كان جيش صلاح الدين قد أعياه الجهاد الطويل والمتاعب العظيمة ، وقد ظل أعواماً طوالاً مرابطاً مناضلاً مكافحاً عدواً قوياً جداً لكن لم يسمع من جندي واحد أنين أو شكاة. أنهم لم يتأخروا يوماً في الحضور ولم يضنوا قط بالنفائس والنفوس كلما دعاهم صلاح الدين للجهاد وكلما استفزهم للقتال ، وربما شكا أحد الأمراء التابعين له في بعض أودية دجلة البعيدة من هذه النجدة التي لا تكاد تنتهي ولكن قدموا بعوثهم وحضروا لجيوشهم لنصرة السلطان كلما طلبوا . وقد قاتل الجيش الموصلي بكل بطولة وحماسة في حرب أرسوف الأخيرة وكان السلطان واثقاً بأنه سيأتيه المدد من جيوش مصر والعراق وكذلك من جيش الشام الشمالي والمركزي . وكان التركمان والعرب والمصريون مسلمين وخدمة أوفياء للسلطان وحضروا كالعبيد كلما طلبهم السلطان وقد مزج السلطان هذه العناصر المختلفة مزجاً غريباً وألف بينهم رغم ما فيها من اختلاف في الجنس والقومية وما بين أفرادها من خلافات داخلية ومنافسات قبلية فكانوا كالجسد الواحد . وقد عانى السلطان بعض الصعوبة في توحيد هذه الأجناس ، وقد ظهرت في بعض المناسبات بوادر الخلاف فقد تمرد الجيش في يافا مرة ، ولكن رغم ذلك كله بقيت هذه الأمم المختلفة الأجناس إلى خريف سنة 1192 م خاضعة لأمر السلطان وظلت تجاهد في سبيل الله من سنة 1187 م العام الذي طلبها فيه صلاح الدين للجهاد ، وفي خلال هذه المدة الطويلة لم يسجل التاريخ حادثة عصت فيها مقاطعة أو ثارت فيها دولة تابعة أو رئيس من الرؤساء ، وكانت الآمال الكبيرة التي عقدت بنصيحتهم ومثابرتهم تعي الراسخين في الوفاء والجن الأقوياء ، إنما علمنا قريباً من أقربائه في العراق ثار عليه ، ولكن السلطان منَّ عليه بالعفو ، وهدأ الرجل ، وبذلك يعلم ما كان للسلطان من نفوذ غريب في دولته ورعيته ، وانتهت الحرب التي استمرت خمسة أعوام وانتهت محنها ومتاعبها والسلطان هو الملك الوحيد من جبال الكرد إلى صحراء النوبة ، وكان ملك بلاد الكرد ملك آرمينيا وسلطان قونية وقيصر قسطنطينية وراء هذه الحدود يحرصون على صداقة صلاح الدين ومساعدته ، وما قبل صلاح الدين أن يكون عليه منة لأحد من هؤلاء ، ولم يحضروا قط لنجدته إنما حضروا لتهنئته .

وكان صلاح الدين بطل هذه المعركة ومركز هذه الدائرة ، وكان أخوه العادل هو الشخصية الثانية التي ظهرت على مسرح القتال ، ولا نعرف أحداً من القواد والأمراء استولى عليه ، وكان عنده مجلس حربي يستشيره في أمور الحرب ، وقد وقع نادراً أن غلب رأي هذا المجلس الخاطئ على رأي السلطان الصحيح ، كما كان أمام صور وعكة ، ولكن لم يكن أحد من أعضاء هذا المجلس مستأثراً به دون غيره ، لقد كان الإخوة والأبناء ، وأبناء الإخوان ، والزملاء القدماء ، والولاة الجدد ، والعقلاء ، والقضاة الأذكياء ، والمعتمدون الأوفياء ، والمتعصبون ، والوعاظ ، والعلماء كلهم متفقين على الجهاد ، وقاتلوا تحت لوائه جنباً بجنب ، وخدموه بكل ما عندهم من قوة وكفاية ونصيحة ، وكان كل يعلم أن صلاح الدين سيد الجميع وأميرهم ، وكان قلب واحد وإرادة واحدة تسيطر عليهم في أزمات مختلفة وساعات عصيبة وحروب طاحنة ، هو قلب صلاح الدين القوي وإرادته الحديدية )) اهـ . 





فقر القيادة في العالم الإسلامي بعد صلاح الدين :

مات صلاح الدين بعدما قضى مهمته إلى حد بعيد ، وانجلى الخطر القريب العاجل الذي كان يهدد كيان الإسلام ومركزه ، وتراجع سيل الصليبيين وقد تعلموا دروساً مفيدة ودرسوا جوانب الضعف والقوة في كلتا الجبهتين ، رجعوا ليستعدوا للصليبية الجديدة في القرن التاسع عشر المسيحي ، وعاد المسلمون إلى سيرتهم الأولى من انقسام وتنافس ، وتطاحن وغفلة ، ولم يرزق العالم الإسلامي بعد ذلك قائداً مخلصاً للإسلام ، مؤثراً لمصلحته على هواه ، متجرداً للجهاد ، محبباً تجتمع حوله القلوب مثل صلاح الدين الذي استطاع بحول الله وقوته وبمواهبه العظيمة أن يدحر أوربا كلها ، ويحفظ للإسلام ملكه وشرفه ، وعم لانحطاط في العالم الإسلامي واستفحل مع الأيام .





نتائج القرون المنحلة :  

وظلت خلية الإسلام تعمل في أدوار الانحطاط أيضاً ، ويظهر من الملوك والفاتحين أفراد هم أنموذج الصحابة والسلف الصالح في سيرتهم وأخلاقهم ، في دينهم وتقواهم ، وينهض في العالم الإسلامي رجال يتجمل التاريخ بذكرهم .

وكان المسلمون- رغم انحرافهم عن سيرتهم الأولى وطريقهم المثالي- أقرب إلى طريق الأنبياء وأطوع لله من الأمم الجاهلية المعاصرة لهم ، وكان وجودهم ودولتهم أكبر عائق للجاهلية في انتشارها وازدهارها ، وكانوا رغم نقائصهم أكبر قوة في العالم تهابها الدول ، وتحسب لها كل حساب .





انهيار صرح القوة الإسلامية : 

ولم تزل تضعف هذه القوة وتهن بدون أن يشعر بذلك الأجانب حتى إذا خضِّدت شوكة المسلمين في القرن السابع لما مزق التتار حكومة خوارزمشاه – المملكة الإسلامية الأخيرة- وسقطت بغداد في أيديهم زال ذلك الشبح المخيف وسقط المجدار(192) ، فعاثت الطيور والوحش في الحقل ، وتجاسر الناس على المسلمين وبلادهم .

ورث التتار والمغول تراث المسلمين وخلفوهم في الحكومة ، وناهيك به بؤساً وشقاء للإنسانية وخراباً للعالم أن يتولى قيادة العالم أمة جاهلة وحشية ليس عندها دين ولا علم ولا ثقافة ولا حضارة .





**************************

 

الفصل الثالث

دور القيادة العثمانية 





العثمانيون على مسرح التاريخ :

في ذلك الحين ظهر الترك العثمانيون على مسرح التاريخ ، وفتح محمد الثاني بن مراد ، وهو ابن أربع وعشرين سنة القسطنطينية العظمى عاصمة الدول البيزنطية المنيعة سنة 753هـ (1453 م) فتجدد رجاء الإسلام وانبعث الأمل في نفوس المسلمين ، وكان الترك وعلى رأسهم آل عثمان موضعاً للثقة في قيادة الأمم الإسلامية وفي استرداد قوة المسلمين ومكانتهم في العالم ، وكان فتحهم للقسطنطينية التي استعصت على المسلمين ثمانية قرون(193) دليلاً على كفاءتهم وقوتهم ، وبلوغهم درجة الاجتهاد في صناعة الحرب ، وحسن قيادتهم العسكرية وتفوقهم على الأمم المعاصرة في آلات الحرب واستخدامهم لمهمتهم قوة العلم والعمل . وكل ذلك ما لا غنى للأمة عنه .





تفوق محمد الفاتح في فن الحرب :    

وقد كان محمد الفاتح- كما يقول درابر- يعرف العلوم الرياضية ويحسن تطبيقها على الفن الحربي ، وكان قد أعد لهذا الفتح عدته ، واستفاد كل ما في عصره من معدات حربية 

قال البارون " كارادفور " (Barron Carra de vaux)  في كتابه " مفكرو الإسلام " في الجزء الأول منه عند ترجمة محمد الفاتح :

(( إن هذا الفتح لم يُقيَّض لمحمد الفاتح اتفاقاً ، ولا تيسير لمجرد ضعف دولة بيزنطية ، بل كان هذا السلطان يدبر التدابير اللازمة له من قبل ، ويستخدم له كل ما كان في عصره من قوة العلم ، فقد كانت المدافع حينئذ حديثة العهد بالإيجاد ، فأعمل في تركيب أضخم المدافع التي يمكن تركيبها يومئذ وانتدب مهندساً مجرياً ركب مدفعاً كان وزن الكرة التي يرمي بها 300 كيلو جرام ، وكان مدى مرماه أكثر من ميل ، وقيل : إنه كان يلزم لهذا المدفع 700 رجل ليتمكنوا من سحبه ، وكان يلزم له نحو ساعتين من الزمن لحشوه ، ولما زحف محمد الفاتح لفتح القسطنطينية كان تحت قيادته ثلاثمائة ألف مقاتل ، ومعه مدفعية هائلة ، وكان أسطوله المحاصر للبلدة من البحر (120) سفينة حربية ، وهو الذي- من قريحته- تصور سحب جانب من الأسطول من البر إلى الخليج وأزلق على الأخشاب المطلية بالشحم (70) سفينة أنزلها في البحر من جهة قاسم باشا(194) )).





مزايا الشعب التركي :

وقد تفرد الشعب التركي المسلم تحت قيادة آل عثمان بمزايا اختص بها من بين الشعوب الإسلامية يومئذ واستحق بها زعامة المسلمين :

أولاً- أنه كان شعباً ناهضاً متحمساً طموحاً فيه روح الجهاد ، وكان سليماً- بحكم نشأته وقرب عهده بالفطرة والبساطة في الحياة- من الأدواء الخلقية والاجتماعية التي أصابت الأمم الإسلامية في الشرق في مقتلها .

ثانياً- أنه كان متوفراً لديه القوة الحربية التي يقدر بها على بسط سيطرة الإسلام المادية والروحية ، ويرد بها غاشية الأمم المناوئة وعاديتها ، ويتبوأ بها قيادة العالم ، فقد بادر العثمانيون في صدر دولتهم لاستعمال المعدات الحربية وخصوصاً النارية منها واهتموا بالمدافع وأخذوا بالحديث الأحدث من آلات الحرب ، عُنوا بفن الحرب وتنظيم الجيوش وتعبئتها حتى صاروا في صناعة الحرب أئمة بغير نزاع ، والمثل الكامل والقدوة لأوربا .

وكانوا يحكمون في ثلاث قارات : أوربا ، وآسيا ، وإفريقية ، ملكوا الشرق الإسلامي من فارس حتى مراكش ، ودوخوا آسيا الصغرى وتوغلوا في أوربا ، حتى بلغوا أسوار " فيينا " وكانوا سادة البحر المتوسط من غير نزاع ...... قد جعلوه بحيرة عثمانية لا أثر للأجنبي حوله وقد كتب معتمد القيصر بطرس الأكبر لدى الباب العالي أن السلطان يعتبر البحر الأسود كداره الخاصة فلا يباح دخوله لأجنبي ، وأنشأوا أسطولاً عظيماً لا قبل لأوربا به حتى اجتمعت لسحقه كل من عمارات البابا والبندقية وإسبانيا والبرتغال ومالطة عام 945هـ -1547م – ولكن لم تغن عنهم كثرتهم شيئاً .

وقد جمعت الإمبراطورية العثمانية في عهد سليمان القانوني الكبير بين السيادتين البرية والبحرية وبين السلطتين السياسية والروحية .

بلغت حدود الدولة العثمانية على ملك سليمان الطونة والصاوة (النهرية) في الشمال ونبع النيل والمحيط الهندي في الجنوب وسلسلة جبال القفقاس في الشرق وجبال أطلس في الغرب وهي مساحة تزيد على 400 ألف ميل مربع .

وكان الأسطول العثماني مؤلفاً مما يزيد على 2000 مركب حربي ، وكان القسم الشرقي من بحر سفيد وبحر الأدرياتيك ومرمرة وأزاق والأسود والأحمر وفارس في حوزته وتحت سيطرته .

ودخل كل مدينة شهيرة في العالم القديم ما عدا رومة في ضمن حدود الدولة العثمانية(195) ، وكانت أوربا كلها ترتعد منهم فرقاً ، ويدخل ملوكها الكبار في ذمة ملوكهم ، ويمسك أهل الديار عن قرع أجراس كنائسهم احتراماً للترك إذا نزلوا بها وأمر البابا أن يحتفل بعيد ، وأن تقام صلوات الشكر مدة ثلاثة أيام لما أتاه نعي محمد الفاتح .

ثالثاً- كانوا في أحسن مركز للقيادة العالمية . كانوا في شبه جزيرة البلقان بحيث يشرفون منها على آسيا وأوربا ، وكانت عاصمتهم واقعة بين البحرين الأسود والأبيض ، وواصلة بين البرين آسيا وأوربا ، فكانت خير عاصمة لأكبر دولة تحكم على آسيا وأوربا وأفريقية ، حتى قال نابليون : (( لو كانت هناك دولة واحدة لكانت القسطنطينية أصلح المدن لتكون عاصمة لها )).

وكانت أوربا لها الخطر الكبير والشأن العظيم في المستقبل القريب ، تزخر فيها القوى الحيوية وتجيش فيها صدورها عوامل الر قي ، فكان في استطاعة الترك- لو وفق الله- أن يتقدموا في ميدان العلم والعقل ويسبقوا أمم أوربا النصرانية ويصبحوا أئمة العالم يقودونه إلى الحق والهدى قبل أن تملك أوربا زمام العالم وتقوده إلى النار والدمار .

انحطاط الأتراك في الأخلاق وجمودهم في العلم وصناعة الحرب :  

ولكن من سوء حظ المسلمين- فضلاً عن سوء حظ الأتراك- أخذ الترك في الانحطاط والتدلي ودب إليهم داء الأمم من قبلهم : الحسد والبغضاء واستبداد الملوك وجورهم وسوء تربيتهم وفساد أخلاقهم وخيانة الأمراء وغشهم للأمة وإخلاد الشعب إلى الدعة والراحة ، إلى غير ذلك من أخلاق الأمم المنحطة مما هو مبين في كتب التاريخ التركي ، وليس هذا موضع تفصيله ، وكان شر ما أصيبوا به الجمود في العلم والجمود في صناعة الحرب وتنظيم الجيوش ، وقد نسوا قول الله تعالى : {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ } الخ . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها )) ، وكان خليقاً بهم- لحرج مركزهم السياسي والجغرافي، وقد أحاطت بهم الدول الأوربية إحاطة السور بالمعصم - أن يجعلوا وصية القائد الإسلامي الكبير عمرو بن العاص رضي الله عنه للمسلمين في مصر نصب أعينهم :  ((واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة لكثرة الأعداء حولكم وتشوف قلوبهم إليكم وإلى داركم )) ولكن الترك وقفوا وتقدم الزمان ، وتخلفوا وسبقت الأمم الأوربية .





الجمود العلمي في تركيا :      

وقد وصفت الكاتبة خالدة أديب هانم هذا الجمود العلمي في تركيا وصفاً يحسن بنا أن ننقله هنا قالت : 

(( ما دامت فلسفة المتكلمين تهيمن على الدنيا ظل علماء الإسلام في تركيا يقومون بواجبهم ويحسنون القيام به ، وكانت المدرسة السليمانية ومدرسة الفاتح مركزين للعلوم والفنون السائدة في ذلك الزمان ، لكن لما نشط الغرب من عقال الفلسفة الإلهية والمباحث الدينية الكلامية ووضع أساس العلم الحديث والحكمة الجديدة فأحدث انقلاباً في العالم لم تعد جماعة العلماء تقدر على الاضطلاع بأعباء التعليم والقيام بواجبات المعلمين . كان يعتقد هؤلاء أن العلم لا يزال حيث كان في القرن الثالث عشر المسيحي لم يتجاوز ذلك المقام ولم يتقدم ، ولم تزل هذه الفكرة الخاطئة سائدة على نظامهم التعليمي إلى القرن التاسع عشر المسيحي )).

(( إن فكرة علماء تركيا والبلاد الإسلامية الأخرى هذه ليست من الدين في شيء ، إن الفلسفة الإلهية أو علم الكلام الذي كان عند المسلمين أو النصارى ، إنما كان مبنياً على فلسفة الإغريق ، وكان الغلبة فيه لأفكار أرسطاطاليس الذي كان فيلسوفاً وثنياً ، ويجدر بي في هذا المقام أن أقارن بإجمال بين عقلية العلماء المسيحيين والمسلمين )).

((لم يتعرض القرآن الكريم بالتفصيل لمسألة خلق العالم الطبيعي ، والقسط الأوفى في تعليمه والأهمية الكبرى للحياة الخلقية والاجتماعية ، ومقصوده الأكبر فصل ما بين الحسن والقبيح والخير والشر ، إنه جاء بشريعة للعالم ، وكلما ذكر مسألة من مسائل ما بعد الطبيعة أو المعارف الروحية قلما نرى فيها تعقداً أو إشكالاً ، إن أساس تعليمه التوحيد ، فكان الإسلام ديناً سمحاً بسيطاً ، وهو أفسح صدراً للنظريات الجديدة عن العالم الطبعي من الأديان الأخرى بكثير ، ولكن هذا التسامح وهذه البساطة التي كانت تساعد في التحقيق العلمي الجديد لم تطل مدتها في حياة المسلمين . قيد العلماء والمتكلمون في القرن التاسع الهجري الإلهيات- فضلاً عن الفقه- بسلاسل وقيود ، وأوصدوا باب التحقيق والاجتهاد ، في ذلك الوقت تغلغلت أفكار أرسطاطاليس في الفلسفة الإسلامية )).

(( بالعكس من ذلك الدين المسيحي- الذي هو أولى بأن يسمى دين الراهب بولس- فإن (سفر بدء التكوين) يحتوي على تفصيل للعالم الطبيعي ، وإذ آمن النصارى بأنه كلام الله كان الواجب عليهم أن يقرروا صدقه ، ولما كانت المشاهدة لا تؤيدهم في هذا التأويل لجأوا إلى الاستدلال وتمسكوا بأهداب أرسطاطاليس ، لأن منطقه يعمل عمل السحر )) .

(( ولما بدأ الغرب في دراسة الطبيعة بواسطة المشاهدة والاختبار والتحليل والتجزئة سقط في أيدي رجال الكنيسة ، ولما وصل العلماء بطرق عملية إلى اكتشافات مهمة خاف علماء النصرانية على سيادة الكنيسة أن تنقرض ، فحدث صراع عنيف بين الدين والعلم ، وذهب كبار علماء الطبيعة الذين كانوا عاكفين على دراستهم وتحقيقهم ضحية علمهم )) .

(( واضطرت الكنيسة النصرانية بعد المعارك الدموية بين الدين والعلم أن تواجه الواقع ، فأدخلت علوم الطبيعة في برنامج مدارسها وكلياتها ، وأصبحت جامعاتها التي لم تكن تختلف بالأمس عن مدارس المسلمين ، مركزاً للعلوم الطبيعية والعلوم لحديثة ، ولم تهجر مع هذا فلسفتها ، وكان نتيجة ذلك أن ظل للكنيسة سلطان على فريق من الطبقة المثقفة ، وكان للقسس الكاثوليك والبروتستانت مشاركة في العلوم الحديثة ، وكانوا يقدرون على أن يباحثوا الناشئة في كل موضوع )).

(( وكان العلماء في تركيا العثمانية على الضد من ذلك ، فلم يعنوا باكتساب العلوم الحديثة ، بل منعوا الأفكار الجديدة أن تدخل في منطقتهم ، وإذ كانوا متصرفين بزمام تعليم الأمة الإسلامية ولم يسمحوا لشيء طريف بأن يقرب منهم ، فإن الجمود قد تغلب على نظامهم التعليمي ، وكانت مشاغلهم السياسية قد طغت في دور الانحطاط ، وكانت  تسمح لهم بأن يتحملوا متاعب المشاهدة والاختبار ، فلم يكن لهم إلا أن يلحوا على فلسفة أرسطاطاليس ، ويبنوا علمهم على لاستدلال ، فلم تزل المدارس الإسلامية في القرن التاسع عشر المسيحي ، كما كانت في القرن الثالث عشر المسيحي(196) )) .





الانحطاط الفكري والعلمي العام :         

ولم يكن الجمود العلمي والكلال الفكري مقتصرين على تركيا وأوساطها العلمية والدينية فحسب ، بل كان العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه مصاباً بالجدب العلمي ، وشبه شلل فكري ، قد أخذه الإعياء والفتور ، واستولى عليه النعاس . ولعل القرن التاسع- إذا لم نقل القرن الثامن- آخر قرون النشاط والتوليد والابتكار في الدين والعلم ، والأدب والشعر والحكمة ، والقرن العاشر أول قرون الخمود والتقليد والمحاكاة ، وترى هذا الخمود عاماً شاملاً للعلوم الدينية والفنون الأدبية والمعاني الشعرية والإنشاء والتاريخ ومناهج التعليم ، فلا تجد في كتب التراجم التي ألفت للعصور الأخيرة من تطلق عليه لقب العبقري ، أو النابغة أو المحقق على الأقل ، أو من جاء في فن من الفنون بشيء طريف مبتكر ، أو زاد في العلم زيادة حسنة إذا استثنينا بعض الأفراد في أطراف العالم الإسلامي ، كالشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي (م1024هـ) صاحب الرسالة الخالدة في الشريعة والمعارف الإلهية ، والشيخ ولي الله بن عبدالرحيم الدهلوي (م1176هـ) صاحب حجة الله البالغة وإزالة الخفاء والفوز الكبير ورسالة الإنصاف ، وابنه الشيخ رفيع الدين (م1233هـ) صاحب تكميل الأذهان وأسرار المحبة ، والشيخ إسماعيل بن عبدالغني بن ولي الله الدهلوي (م1246هـ) صاحب منصب الإمامة والعبقات والصراط المستقيم(197) .

ولا نقرأ في شعر هذه العصور الأخيرة على كثرة ما نظم وقيل فيها شعراً مطبوعاً يعلق بالذهن أو إنشاء مترسلاً ينشرح له الصدر ، ترى أدباً فاتراً بارداً قد أفسده التأنق في الحلية اللفظية والمبالغة والتهويل في الألفاظ والمعاني وكثرة التملق في المدح والغزل بالمذكر في الشعر ، والتكلف حتى في الرسائل الإخوانية والأغراض الطبيعية والسجع البارد حتى في كتب التاريخ والتراجم .

كذلك حلقات التعليم قد رحلت عنها كتب المتقدمين وحلت محلها كتب المتأخرين المتكلفين وغصت بالحواشي والتقريرات والتلخيصات والمتون التي ضن فيها مؤلفوها على القرطاس ، وتعمدوا التعقيد والغموض ، وكأنهم ألفوها في صناعة الاختزال ، وكل ذلك ينبئ عن الانحطاط الفكري والعلمي الذي حل بالعالم الإسلامي وتغلغل في أحشائه .





معاصرو العثمانيين في الشرق :  

وعاصرت الدولة العثمانية دولتان قويتان في الشرق ، إحداهما الدولة المغولية التي أسسها بابر التيموري (سنة 933هـ 1546م) وكان معاصراً للسلطان سليم الأول وتوالى على عرشها ملوك من أعظم المسلمين شوكة وأبهة وقوة حربية واتساع مملكة ، وكان أعظمهم أورنك زيب ، وكان آخر الملوك التيموريين الأقوياء وأوسعهم مملكة وأعظمهم فتوحاً وأمتنهم ديانة وأعرفهم بالكتاب والسنة ، وقد عاش أكثر من تسعين سنة وحكم خمسين وتوفي (سنة 1118هـ) أي في فجر القرن الثامن عشر المسيحي ، وهو عصر مهم جداً في تاريخ أوربا ولكنه لم يكن هو ولا سلفه على شيء من الاتصال بما كان يجري في أوربا وما تتمخض به من حودث جسام ، وما يفور في صدره من عوامل الرقي والنهضة ، وكانوا ينظرون إلى من يغشاهم من تجار أوربا وأطبائها أو سفراء دولها- على قلة ورودهم من هذه البلاد النائية- نظر الاستخفاف والاحتقار .

وكانت تصاقب دولتهم في أفغانستان الدولة الصفوية ، وكانت راقية متحضرة ولكنها شغلت بنزعتها الشيعية وبالهجوم على الدولة العثمانية مرة والدفاع عن نفسها مرة أخرى .

وانحصر هاتان الدولتان في قطرهما وكانت بمعزل عما يقع في الشرق الأدنى فضلاً عن الغرب ، وفي البلاد الإسلامية فضلاً عن البلاد الأجنبية ، أما التحالف والتكتل فلم يكن يخطر من أحد منهم على بال ، وذلك مما طبعت عليه الدول الشرقية والحكومات الشخصية ووصى بها الآباء والأبناء ، وكذلك دراسة أحوال أوربا العلمية والحربية واقتباس العلوم والصنائع من الخارج فلم يكن يدور بخلد إنسان في ذلك العصر .





نهضة أوربا الجاهلية وسيرها الحثيث في علوم الطبيعة والصناعات :         

وكان القرن السادس عشر والسابع عشر المسيحي من أهم أدوار التاريخ الإنساني الذي له ما بعده ، قد استيقظت فيه أوربا من هجعتها الطويلة ، وهبت من مرقدها مجنونة تتدارك زمان الغفلة والجهل وتعدو إلى غايتها عدواً ، بل تطير إليها بكل جناح ، تسخر قوى الطبيعة وتفضح أسرار الكون ، وتكشف عن بحار وقارات كانت مجهولة وتفتح فتوحاً جديدة في كل علم وفن وفي كل ناحية من نواحي الحياة ونبغ في هذه المدة القصيرة رجال ومبتكرون في كل علم وعبقرية أمثال كوبرنيكس (Copernicus) وبرونو (Brunoe) وغليليو (Galilio) وكبلر (kepler) ونيوتن(Newton)  ، وغيرهم الذين نسخوا النظام القديم وأسسوا نظاماً حديثاً واكتشفواعوالم في العلم ، ومن الرحالين المكتشفين  أمثال كلمبس (Columbus) وفاسكودي غاما  (Vasco Dagama)  ومجلن (Maglin)  . كان تاريخ الأمم في هذا الدور في صياغة وسبك ، وكانت نجوم الأمم والشعوب بعضها في أفول وبعضها في طلوع ، يصير الآفل منها طالعاً والطالع آفلاً ، وكانت ساعة في ذلك الزمان تساوي يوماً بل أياماً ، ويوم يساوي عاماً بل أعواماً ، فمن ضيع ساعة فقد ضيع زمناً .





تخلف المسلمين في مرافق الحياة :

ولكن المسلمين لم يضيعوا ساعات وأياماً بل ضيعوا أحقاباً وأجيالاً انتهزت فيها الشعوب الأوربية كل دقيقة وثانية ، وسارت سيراً حثيثاً في كل ميدان من مادين الحياة وقطعت في أعوام مسافة قرون .

ومما ينبئ عن مقدار خمول تركيا في ميدان العلوم والصناعات أن صناعة السفن لم تدخل في تركيا إلا في القرن السادس عشر المسيحي ، ولم تدخل المطابع في العاصمة والمحاجر الصحية في هذه الدولة إلا في القرن الثامن عشر ، وكذلك مدارس الفنون الحربية على النسق الأوربي . وفي آخر هذا القرن كانت تركيا بمعزل عن الصناعات والاكتشافات ، حتى لما شاهدوا بالوناً يحلق فوق العاصمة ظنوه من أعمال السحر والكيمياء . قد سبقتها دول أوربا الصغيرة في الأخذ بأسباب المدنية والرفاه العام ، وحتى سبقتها مصر في اتخاذ السكك الحديدية واستعمال القطارات بأربعة أعوام وفي استعمال طوابع البريد ببضعة أشهر .





تخلفهم في صناعة الحرب :    

ولم يكن انحطاط المسلمين في العلوم النظرية والحكمية والمدنية فحسب ، بل كان هذا الانحطاط عاماً شاملاً ، حتى تخلفوا عن أوربا في صناعة الحرب التي كان التركي في الزمن الأخير ابن بجدتها وأبا عذرتها ، قد أقرّ بفضلهم وتبريزهم فيها العالم ، ولكن سبقتهم أوربا باختراعها وقوة إبداعها وحسن تنظيمها حتى هزمت جيوشها الجيوش العثمانية هزيمة منكرة (سنة 1774م) وظهر سبقها في ميدان القتال أيضاً فانتبهت الدولة العثمانية بعض الانتباه ، وانتدبت الماهرين الأوربيين لتنظيم الجيش وتربية العساكر ، وعُني السلطان سليم الثالث في فجر القرن التاسع عشر بالإصلاح ، وكان عصامياً قد نشأ وتعلم خارج البلاط- خلافاً لسابقيه- وأنشأ مدارس جديدة وكان يُعلم بنفسه في مدرسة الهندسة ، وألف جيشاً على الطراز الحديث ، وأدخل تعديلات وتحسينات في النظام السياسي ، وقد بلغ الشعب حداً كبيراً من الجمود والمحافظة على القديم في كل شيء حتى ثار عليه الجيش القديم واغتاله ، وخلفه محمود الثاني الذي حكم من سنة 1807 م  إلى سنة 1839 م ، ومن بعده عبد المجيد الأول (1839م- 1851 م) فخلفا سليماً الثالث في مهمته وتقدمت تركيا بعض التقدم .

قارن هذا الشوط الذي قطعته تركيا الإسلامية في ميدان الرقي والتقدم ، بالأشواط التي قطعتها أوربا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر تجد الفرق هائلاً ، فلم يكن جريمها في الميدان إلا مسابقة بين سلحفاة وأرنب ، إلا أن الأرنب ساهر دائب في عمله ، والسلحفاة قد يغلبها النوم وتغفي إغفاءه .




تابع أيضاً


تعليقات الزوار