التاريخ :

اليهود العدو اللدود

اليهود العدو اللدود

عناصر الخطبة :

1-    شراسة الحرب على الإسلام.

2-    سب اليهود لله تعالى.

3-    اعتداء اليهود على أنبياء الله تعالى.

4-     جرائم اليهود. 5- خيانة بني قريظة.

5-    لا رضاء لليهود عن المسلمين.

6-    البراءة من اليهود.

الخطبة الأولى

عباد الله، اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

وبعد: معاشر المؤمنين، فإنّ العقل البشريَ المستنير ليحار أشدّ الحيرة، وإن الفكر الصحيح ليتيه في أودية الاستغراب مما يشاهد هنا وهناك من أصناف الاضطهاد وأنواع الإرهاب على أهل الإسلام، ومنذ أن خلق الله هذه المعمورة والصراع بين الحق والباطل قائم، والنزاع بين الإسلام وبين الإشراك والكفر مستمرّ، لا يوقفه سلام مزعوم أو إصلاح مرسوم، وإن ما يجري في ديار المسلمين شاهد على ذلك، ففي العراق نكبات، وفي أفغانستان وفي الشيشان وفي فلسطين وفي كثير من ديار المسلمين.

أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد   تجده كالطير مقصوصا جناحاه

وبات أهل الإسلام في ضنك وعوَز حيث أبصرتهم، كبّلهم قيدهم، سفكوا دماءهم وسبوا نساءهم، ويتموا أولادهم، واستباحوا بيضتهم، كل ذلك ـ عباد الله ـ في ظل نشر الحرية بين الشعوب وإحلالِ السلام المزعوم، واليهود هم وراء ذلك كلّه.

ولعلَ الناظرَ في حال اليهود مع مرور الزمان يرى العجب العجاب، فلقد فعلوا وقالوا وزعموا وافتروا أشدّ الافتراء، فقالوا عن ذي الجلال: "يد الله مغلولة"، غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64]، وقالوا: "إن الله ثالث ثلاثة"، تعالى الله عما يقولون، ومما قالوه: "إن الله فقير ونحن أغنياء"، ثم بعد هذا التزعم والافتراء قالوا: "نحن أبناء الله وأحباؤه"، بل أحفاد القردة والخنازير كما قال الله: وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة:65].

وهم الذين قتلوا الأنبياء ونشروهم بالمناشير، وجادلوهم وكذّبوهم أشدّ التكذيب، أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [البقرة:87]. ولما دعاهم موسى إلى الإيمان بالله قالوا: "لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة"، وحينما أمرهم بدخول القرية قالوا: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون". ولما جاءهم موسى بالبيّنات من ربهم قالوا: "مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين".

إنهم كفروا نعمة الله، وافتروا على الله، ونقضوا العهود، واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، وألبسوا الحق بالباطل، واتخذوا العجل، وتعدوا الحد، وقالوا: "سمعنا وعصينا"، فلعنهم الله، بل هم قوم لا يفقهون، لا يعقلون، لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم، وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمْ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ [الأعراف:134-136].

ومنذ بزغ نورُ الإيمان ولدت عداوةُ اليهود للإسلام، وعادوا إلى التنكر من جديد، يبرزون في كل خيانة، ويختفون عند المكرمات، فهم من خذل المسلمين يوم أحد، ونقضوا العهد يوم الأحزاب، ودبّروا الفتن، ونشروا المحن، ومكروا بنبينا جماعات وفرادى، وكادوا يقتلونه.

وما سوف نورِده هنا ـ عباد الله ـ لهو خير شاهد على العداء القديم والحِقد الدفين، ففي السِّيَر عن صفيةَ بنتِ حيي بنِ أخطب قالت: كنت قبل الإسلام أحبَّ ولدِ أبي إليه وإلى عمّي أبي ياسر ـ وهما من يهود المدينة ـ، تقول: لم ألقهما قطّ مع ولدٍ لهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسول الله المدينة ونزل قباء في بني عمرو بنِ عوف غدا عليه أبي، حييُ بنُ أخطب وعمّي أبو ياسر بنُ أخطب مغلّسَين ـ أي: بعد الفجر ـ، قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع الغروب، فأتيا كالَّين كسلانين ساقطين يمشيان الهُوينى. قالت صفية: فهشَشت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إليّ واحد منهما لما بهما من الغم ـ من قدوم النبي إلى المدينة ـ، قالت: وسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي حيي: أهو هو؟ قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت.

وكذلك ـ إخوة الإسلام ـ ظلّ هذا اليهودي في عداوته لرسول الله والمسلمين، يكِنّ لهم من العداوة والبغضاء ما يكنّ، ويتمنى لهم الهزيمة، ويتربّص بهم الدوائر. وظل كذلك حتى كان اليومُ الذي نقضت فيه بنو قريظة العهد بينها وبين رسول الله ، وهذا دأبهم لعنهم الله، ينقضون العهود، ويغدرون المرّة تلو المرة، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر، عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [الفتح:6].

فلما نقضوا العهد وغدروا حكّم فيهم رسول الله سعد بنَ معاذ، وقد كان حليفا لهم في الجاهلية قبل قدوم رسول الله المدينة، ففرحوا بذلك، وظنوا أن سعدًا سوف يعاملهم بالحسنى، ويحكم فيهم بالسهل اليسير، وأنى لمؤمن آمن بالله وصدق برسوله أن يكون كذلك؟! حتى إذا ما أقبل سعد على رسول الله جعلوا يقولون له: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فإن رسول الله إنما ولاّك عليهم لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال رضي الله عنه وأرضاه: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، ثم قال سعد: عليكم بذلك عهدُ الله وميثاقه أن الحكمَ فيهم لما حكمت؟! قالوا: نعم، قال: وعلى مَن ها هنا يعنى رسولَ الله ، وهو معرض عنه إجلالا له، فقال : ((نعم))، فقال سعدٌ رضي الله عنه وأرضاه: فإني أحكم فيهم بأن تقتلَ الرجال وتقسمَ الأموال وتسبى الذراري والنساء، فسرّ عن رسول الله ثم قال: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرْقع)) أي: من فوق سبع سموات.

ثم خرج رسول الله إلى سوق المدينة، فخندق فيها خنادق، ثم أرسلوا إليه عشرة عشرة تضرَب أعناقهم في تلك الخنادق، وأتى بعدوّ الله حيي بن أخطب وعليه حلّة فقاحية قد شقّها من كل ناحية قدر أنملة لئلا يُسلبها ويستفيدَ منها المسلمون، حِقدا منه وطمعا وكرها. وإن دل ذلك ـ عباد الله ـ على شيء فهو أبرز شاهد على العداوة الشديدة التي تكنها قلوبهم للمؤمنين والحقدِ دفين الذي تحمله نفوسهم على هذا الدين.

فأتي به ـ لعنه الله ـ مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما أبصر رسول الله قال: أما والله ما لمت نفسي قط في عداوتك، ولكنه من يَخذُلِ الله يُخذل، ثم أقبل على الناس وقال: أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب الله وقدرُه، وملحمة كتَبها الله على بني إسرائيل، ثم جلس فضرِبت عنقه.

أرأيتم ـ معاشر المؤمنين ـ كيف تكون العداوة والكراهيةُ والبغضاء حتى الموت؟! إنها أخلاق من سلف من أحفاد القردة والخنازير، وما زالوا كذلك، والكون خير شاهد على ما يفعلون ويقترفون، فكم من اتفاقية وعهد نقضوا، وكم من ميثاق أبرموه ثم نكصوه، ولكن العالم الإسلامي اليوم أذن لا تعي وأفئدة لا تتفقّه ما يكاد لها ونفوس لا ترعوي إلا من رحم الله عز وجل.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة:120].

نفعنا الله وإياكم بآيات الذكر الحكيم وبهدي خير المرسلين، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد: إخوة الإيمان والدين، فثمة أمور يجب الإيمان بها والتصديق في زمن يصدق فيه الكذوب ويؤمتن فيه الخؤون وتزيف الحقائق وتبدلُ الأمور.

منها أن اليهود مهما أعطَوا من عهود ومواثيق ومهما أُعطُوا من تنازلات وخضوع فلن يرضوا عن المؤمنين، ولن يرضوا إلا بزوال هذا الدين، وهذه حقيقة لا يجحدها إلا المستكبرون، فإن الله يقول وصدق الله وكذب المغرضون: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ.

وكذلك إخوة الدين، إن ما يذكر من كره اليهود للمؤمنين وبغضهم لهم ما هو إلا داع يدعونا لنكون كما قال الله عز وجل: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22]، وفي آية أخرى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ [الممتحنة:1].

إن عداوتنا لليهود ظاهرا وباطنا واجب ديني وركن شرعي، به نتقرب إلى الله، ونرجو به النجاة، وهو اتباع لأمر الله في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51].

وإن مما غفلنا عنه ـ معاشر المؤمنين ـ منهج الولاء والبراء، الولاء للمؤمنين بحبهم ونصرهم والدعاءِ لهم، والبراءةُ من الكافرين بكرههم وتمني الغلبة عليهم، وهذا ما يسعى إلى محوِه أعداءُ الإسلام.

ألا فاستنصروا للإسلام وأهله، واعقدوا النية على الجهاد بالنفس والمال، وحدثوا به أنفسكم، فمن لم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق، كما قال سيد الأنام صلوات ربي وسلامه عليه، ثم اجتهدوا في الدعاء، وابذلوا الغالي والنفيس من أجل هذا الدين، وتحملوا هم نشره وتبليغه للعالمين: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:218].

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك اللهم على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد...

 




تابع أيضاً


تعليقات الزوار